يحكم فيه من القوانين الغربية المخالفة لحكم الله صراحة سواء كان في الحدود أو القصاص أو الأموال أو الأحوال الشخصية أو غيرها.
المبحث الرابع: طلب ولاية القضاء
إذا كان القضاء مشروعًا وهو من فروض الكفايات وله فضل عظيم لمن يقوم به بصورة صحيحة ومع ذلك جاء التحذير منه ولكن هذا لايعني تركه مطلقًا فهل يجوز للمسلم أن يطلب ولاية القضاء لنفسه إذا كان أهلًا للولاية؟
والجواب على ذلك: لا ينبغي أن يطلب ذلك لأن الأصل العام في تولي الوظائف العامة في دار الإسلام هو المنع.
ويدل على ذلك الحديث الشريف عن أبي موسى الاشعري t أنه قال: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من بني عمي فقال أحدهما: يا رسول الله امرنا على بعض ما ولاك الله، وقال الأخر مثل ذلك(30) [30]
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنا والله لانولي هذا العمل أحدًا سأله أو أحدًا حرص عليه) (31) [31] ولا شك أن منصب القضاء يندرج في مضمون هذا الحديث الشريف لأنه من جملة أعمال الدولة ووظائفها العامة. وبالنسبة لوظيفة القضاء بالذات ورد الحديث الشريف: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه ومن لم يطلبه ولا استعان عليه أنزل الله ملكا يسدده) (32) . [32]
وهذا الحديث واضح الدلالة في المنع في طلب القضاء، لان من يطلبه يفقد تسديد الملك له، ولذلك يستنبط من هذا الحديث التحريض والحث على الامتناع عن طلب ولاية القضاء ويقاس عليه الوظائف الأخرى للدولة.
المبحث الخامس: مراتب طلب ولاية القضاء
قلنا إن الأصل العام في طلب ولاية القضاء المنع إلا أن هذا المنع ليس واحدًا بالنسبة لكل الطالبين فقد يكون بدرجة التحريم أو الكراهة أو الإباحة وقد يكون واجبًا وقد يكون مندوبًا وعلى هذا يمكن تقسيمه على النحو التالي:
التحريم: وهذا يكون بالنسبة للجاهل بأمور القضاء، وبالنسبة للعالم بالقضاء ولكن طلبه للقضاء كانت الغاية منه إعانة الظلمة والقضاء لهم بما يشتهون، أو ليأكل أموال الناس بالباطل أو أنه على علم يقين أنه لا يستطيع القيام بالقضاء بصورة عادلة لما يعلمه من باطنه من اتباع الهوى والسير مع الشهوات او لوجود إكراه أو تدخل من السلطة فمثل ذلك يحرم عليه طلب القضاء وإلا مثله كثيرة في ذلك فقد امتنع الإمام الشافعي t عن تولي القضاء في عهد المأمون وقد طلبه المأمون ليوليه القضاء في الشرق والغرب فأبى. ويروي أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في تاريخه الكبير وأبو نعيم في حليته والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد إن المنصور طلب أبا حنيفة للقضاء فأبى فحلف المنصور ليفعلن، وحلف أبو حنيفة انه لا يفعل فقال له الربيع يحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت؟ فقال ابو حنيفة t أمير المؤمنين اقدر على كفارة يمينه مني فحبسه المنصور أيامًا ثم أحضره فقال له: يا أمير المؤمنين أنا لا اصلح للقضاء فإن كنت صادقًا فلا اصلح، وإن كاذبًا فلا اصلح للكذب فرده إلى الحبس وضربه بالسياط فلم يقبل فأطلقه وإلا مثله كثير في ذلك (33) [33]
الإباحة: وهذا لمن قصد بطلبه القضاء ولدفع الأذى عن نفسه وكان صالحًا لتولي القضاء وكذلك بالنسبة للفقير صاحب العيال وهو بحاجة إلى الكسب لسد حاجته وحاجتهم فيباح له طلب تولي القضاء ما دام أهلا لها قادرًا على القيام بمهامها وواجباتها بصورة صحيحة.
الندب: وهذه بالنسبة لمن لا يتعين عليه تولي القضاء ولكنه يعلم أن تولية منصب القضاء انفع للمسلمين من غيره لكونه اصلح له واقدر عليه من غيره وهو ظنه الراجح في ذلك.
الوجوب: وهذا بالنسبة لمن يتعين عليه تولي القضاء ووجب عليه تقلده لأنه وحده الصالح له القادر عليه، فيجب عليه كما يقول الفقيه ابن فرحون المالكي (السعي في طلبه وتحصيله لتعين القيام بهذا الغرض عليه [34] ) (34)
المبحث السادس: حكم قبول منصب القضاء