الصفحة 17 من 26

عن ابن المبارك، ونقل قول الزهري: ليس بين الرجل وإمرأته قصاصًا فيما دون النفس لذا لا نجد في الآية دلالة قطعية في منع المرأة من القضاء.

2 -الدليل الثاني: اما الدليل الثاني بقوله تعالى (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة) فهي لا تصلح أن تكون دليلًا فهي واردة وسط آيات تتعلق بالإيلاء والطلاق والعدة وزيادة درجة الرجل بعقله وقوته على الإنفاق والدية والميراث والجهاد.

أما أدلتهم من السنة المطهرة فالحديث الأول من قوله صلى الله عليه وسلم (لن يفلح قوم ولوا ... الخ) هذا الحديث ورد عنه e لما بلغه أن أهل فارس ملكوا عليهم بنت كسرى، وأنه e قصد به معنى الإمامة العظمى (والله أعلم) وعلى ذلك تقتصر دلالة الحديث، فلا تشمل الولايات الأخرى كالقضاء أو الحسبة أو الوزارة بمفهومها الحديث.

وأما دليلهم من المعقول بقياس القضاء على الرئاسة العامة في منع المرأة عنها فلا نسلم بهذا القياس لأنه لا مناسبة بين الولايتين من حيث السلطة والصلاحيات.

وأما دليلهم بأن المرأة ناقصة عقل قليلة الرأي: فليست هذه الصفة بجميع النساء كما أن كمال العقل وسدادة الرأي لا يتصف بها كل الرجال، والتاريخ يشهد على نبوغ الكثير من النساء في ميادين الحياة بل وصل البعض منهن لدرجة كبيرة من العلم في أمور كثيرة بين الصحابة، مثال السيدة عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين وغيرها.

وكذلك يرد على قول عدم إمكان البروز منها محافل الرجال ومخالطتهن خوفًا من الإفتتان بها في الوقت الذي يتطلب القضاء مثل المحذور فذلك ليس بمقنع ايضًا بدليل مشاركة النساء ومخالطتهن الرجال في منابع العلم وفي دور العبادة وفي سوح الوغى لإسعاف المقاتلين وتحميهم وفي التجارة في الأسواق فما الفرق بين هذا وبين القضاء، والقضاء أكثر حرمة من التجارة، ومجالسة القضاء لا تقل هيبة من مجالس التعليم (88) [88] .

مناقشة أدلة المذهب الثاني:

خبر تولية عمر t ( الشفاء) ولاية السوق (الحسبة) رده الكثير من العلماء منهم القرطبي وابن العربي وغيرهما واعتبراه من دسائس المبتدعة في الأحاديث، ونهيا عن الالتفاف إليه.

ثم إن إبن حزم حينما ذكر الرواية في المحلى لم يسندها على خلاف صنيعه، وهذا يدل على عدم صحتها. ولان عمر t المعروف بشدته وغيرته على الإسلام والمسلمين وكونه صاحب فكرة الحجاب: فقد ذكر أبو الحسن علي بن أحمد النيسابوري في كتابه أسباب النزول: إن عمر بن الخطاب t قال لرسول الله e يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر لو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب: فأنزل الله آية الحجاب وهي قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المسلمين يدينين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) (89) [89] .

ولذا فإن الرواية التي ذكرها ابن حزم ليست بصحيحة لأن عمر بن الخطاب t كان شديد الغيرة على نساء المسلمين وقد روى عطاء عن ابن عباس أن عمر t رأى جارية من الأنصار متبرجة فضربها وكره ما رأى من زينتها علمًا بأنه قد ألزم النساء بأن يسيروا على جوانب الطريق فكيف يولي إمراة ولاية تدعوها إلى الاختلاط مع الرجال ومزاحمتهم. وقوله تعالى في أية الحجاب الثانية (وإذا سألتموهن متاعًا فأسلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) (90) [90] .

لا يقبل قياس قضاء المرأة على جواز تصديها للإفتاء، وذلك لأن المفتية تستطيع ترك المخالطة للرجال بالحديث من وراء الحجاب، أو الجواب بواسطة الكتابة، أو الجواب بواسطة من يحل لها رؤيته كرواية عروة بن الزبير t عن عائشة t وهي خالته في حين يحتاج القضاء للمشاهدة والاختلاط والمداولة مع الخصوم والشهود والقضاة الأخرين والكتبة والمحامين وغير ذلك وكل ذلك محرم على المرأة المسلمة.

لا نسلم كون الغرض من الأحكام تنفيذ القاضي لها وسماع البينة فيها فقط حتى يتخذ هذا دليلًا على صحة قضاء المرأة مادام بإمكانها القيام بذلك بدليل الإمامة الكبرى، فإن الغرض منها حفظ الثغور وتدوير الأمور وحماية البيضة وقبض الخراج، ورده على مستحقيه، وذلك لا يأتي من المرأة كتأتيه من الرجل (91) [91] أضف إلى ذلك أن المرأة ملزمة بإبتعادها عن الاختلاط بالرجال خوف الفتنة والدليل على أن الإسلام في سبيل عدم الاختلاط بالرجال لم يفرض على المرأة صلاة الجمعة ولم يوجب عليها صلاة الجماعة، ولا يستحب لها إتباع الجنائز.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت