وإذا حضرت للصلاة في المسجد وجب عليها أن تقف مع النساء في الصف الأخير خلف الرجال فإذا كان الأمر هكذا في بيوت الله فكيف يجوز الاختلاط في غير أماكن العبادة. وكلنا يعلم أن القاضي في وظيفته يحتاج إلى أعوان يعينونه على تمشية أعمال القضاء وهؤلاء هم الموظفون المستخدمون في دائرة القاضي كما يحتاج القاضي إلى من يستشيرهم من أهل العلم والفقه بالقضايا التي تعرض عليه والأحكام الشرعية المناسبة لها وهذه المشاورة مطلوبة من القاضي وإن كان عالمًا، وعلى هذا النهج جرى الخلفاء الراشدون ومن بعدهم القضاة، فقد كان سعيد بن إبراهيم قاضي المدينة يجلس بين القاسم وسلام، وهما من فقهاء المدينة يشاورهما في كثير من الأمور، وعلى القاضي أن يراقب أعوانه الذين أختارهم لمشاورتهم في كثير من الأمور وهم أهل العلم والمعرفة والفقه والمزكون الذين يزكون الشهود لدى القاضي والشهود الذين يشهدون على أقارير الخصوم، والمترجمون الذين يترجمون له أقوال الخصوم والشهود الذين لا يعرف القاضي لغتهم، لذا وجب على القاضي البروز لهؤلاء حتى يتأكد من وجودهم وعليه مراقبتهم مع بقية الموظفين المعينين من قبل الدولة (السلطة) حتى يطمئن على حسن قيامهم بواجباتهم المناطة بهم.
قال الفقيه السمناني: (وينبغي للقاضي أن يشرف على كاتبه وأصحابه مسائله وأمنائه) وكل هذا يمكن تأتيه من الرجل بسهوله ولكن يصعب تأتيه من المرأة.
كذلك لا يمكن التسليم لمن يدعي عدم المنافاة بين حديث (لن يفلح قوم .. الخ) وبين جواز تولية المرأة القضاء على أساس أن الرسول e قاله في مناسبة معينة: وهي أنه حينما سمع بتنصيب الفرس (بوران) ملكة عليهم بعد وفاة أبيها (شيرويه بن ابرويز) كسرى العجم، لذا لا يشمل الحديث غير الرئاسة العامة وهو مقصور عليها.
وهذا القول مناهظ للقاعدة الأصولية المشهورة لدى علماء المسلمين (أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب والمراد بهذه القاعدة: أن العام يبقى على عمومه وإن كان وروده بسبب خاص كسؤال أو واقعة معينة، فالعبرة بالنصوص وما اشتملت عليه من أحكام، وليست العبرة بالاسباب التي دعت إلى مجيء هذه النصوص، فإذا جاء النص بصيغة عامة لزم العمل بعمومه دون الإلتفاف إلى السبب الذي جاء إليه النص من اجله، سؤالًا كان هذا السبب أو واقعة حدثت، لأن مجيء النص بصيغة العموم يعني أن الشارع أراد أن يكون حكمًا عامًا لا خاصًا بسببه، والأمثلة على ذلك كثيرة.
الخاتمة والترجيح:
ومن عرضنا لأراء الفقهاء والمفسرين وأدلتهم يترجح عندنا الرأي الأول وهو منع المرأة من توليتها القضاء وذلك لقوة أدلتهم وملائمتها لمقاصد الشارع الحكيم في هذه الظروف الحياتية المتغيرة ومن باب سد الذرائع لأن في توليتها القضاء طريق لمفسدة لإختلاطها بأجنبي سواء هذا خصمًا أو شاهدًا أو مشاورًا أو موظفًا في دائرة القضاء، وقد حرم الإسلام الخلوة بالمرأة الأجنبية لئلا يفضي ذلك إلى محذور، وأن إكرام الإسلام للمرأة يكون بإعترافه بحقوقها التي تقتضيها أهليتها أو بأبعادها عن مواطن الشبهات، ومزالق الشهوات حتى تكون لها سمعتها العطرة كفتاة يتزاحم الشباب على الإقتران بها، وكزوجة يتحدث الناس عن إخلاصها لزوجها واستقامتها، وكأم تعرف كيف تغرس في نفوس أبنائها معاني الشرف والفضيلة والكرامة والرجولة الكاملة أو الأنوثة الفاضلة، وكل ما يفوت على المرأة هذه الأجواء الكريمة يقصيها الإسلام عنها ولو كانت في ذاتها من أفضل النساء، فإن ألسنة السوء تتناول الصالحة والطالحة حين التعرض للشبهات، والنفس أمارة بالسوء، وطبيعة الرجل إذا ألتقت مع طبيعة المرأة كان فيها ما يكون بين رجل وامرأة من الميل والإنس والإستراحة إلى الحديث والكلام وبعض الشيء يجر إلى الشيء، وإغلاق باب الفتنة أو الشبهة أحزم وأحكم وأبعد من الندامة في المستقبل وقد فاقت حضارة الإسلام الزاهرة في عهد الرسول e وصحابته الكرام من بعده والتي قامت كل الحضارات في إنسانيتها ونبلها وسموها على الفصل بين الجنسين، ولم يؤثر هذا الفصل على تقدم الأمة المسلمة وقيامها بدورها الحضاري الخالد في التاريخ ولم ترو لنا كتب السيرة أن أحدًا من الخلفاء أستشار امرأة في قضاء وأن حصل ذلك فبواسطة الكتابة أو بواسطة رجل ذي محرم أو طريق أخر لا تظهر المرأة فيه صوتها لأن صوتها عورة كما بين لنا القران ذلك بقوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أن أتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولًا معروفا، وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى، وأقمن الصلاة وأتين الزكاة وأطعن الله ورسوله، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجز أهل البيت ويطهركم تطهيرا) ً وقوله تعالى: وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما مر ذلك سابقًا. ويعنينا أن نسجل هنا أن الخلاف بين الفقهاء حول تولية المرأة القضاء لم يتعد مجرد أبداء الرأي، فلم يرشدنا تاريخ القضاء الإسلامي منذ عهد النبي عليه الصلاة والسلام حتى نهاية الدولة العثمانية أن المرأة أعتلت منصب القضاء.
هذا ونسأل الله أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه أنه سميع مجيب.