إن المرأة يجوز فتياها إذًا جاز قضاؤها قياسًا لأن مدار القياس في الشريعة الإسلامية على العلة - وبما أن في صحة فتوى المرأة هو العلم التام بما تسأل عنه فكذلك صحة قضائها متوقفة على العلم الوفير للأحكام الشرعية (84) . [84]
الدليل الثالث:
ولكون الغرض سن الأحكام تنفيذ القاضي لها وسماع البينة عليها، والفصل بين الخصوم منها، وذلك يمكن من المرأة كإمكانة من الرجل لذا فإن حكم قضاء المرأة هو الجواز كقضاء الرجل مطلقًا.
الدليل الرابع:
حديث الرسول e ( لن يفلح قوم ... الخ) ليس بينه وبين منح المرأة حق القضاء تعارض حيث أن الحديث إنما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر العام الذي هو الخلافة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم (المرأة راعية عن مال زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها) وقد أجاز المالكيون أن تكون المرأة وصية ووكيله ولم يأتِ نص من منعها ان تلي بعض الأمور (85) . [85]
المذهب الثالث: (جواز قضاء المرأة في كل شيء إلا في الحدود والقصاص) (وهو رأي الحنفية) (86) . [86]
حيث يرون صحة قضائها في كل ما تقبل فيه شهادتها وهي مقبولة عندهم فيما عدا الحدود والدماء، لذا فإن ما يصلح دليلًا على صحة شهادتها يصلح دليلًا على صحة قضائها وذاك لما يلي:-
إن حكم القضاء يستقي من حكم الشهادة لأن كل واحد منهما من باب الولاية فكل من كان أهلًا للشهادة، يكون أهل للقضاء، وما يشترط لأهلية الشهادة يشترط لأهلية القضاء إلا أنهم قالوا بعدم صحة شهادتها في الحدود والدماء فكذلك لا يصح قضاؤها فيهما.
كما أن الادلة التي أستدل بها أصحاب المذهب الثاني في الإباحة المطلقة نقلًا وعقلًا تصلح ايضًا لتكون أدلة على الإباحة المقيدة التي أرتأها الحنفية فيما عدا الحدود والدماء (87) . [87]
ثم إن فصل الخصومات من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يشترطوا في ذلك الذكورة، فإن المعول على الشريعة المطهرة الثابتة بالحكم لا على الحاكم بها وقد قال e لن يفلح قوم ... الخ) قال ذلك لما ولي جماعة الملك كسرى ابنته من بعد الملك أي أن المهم في موضوع القضاء والفصل بين الخصوم، هو العمل بموجب الشريعة المطهرة، دون الإلتفاف إلى الشخص القائم بذلك العمل بعد توفر شروط الإسلام والعلم والعدل لانه لا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة مادام بإمكان أي واحد منهما الوصول إلى كنف الحقيقة وحفظ الحقوق. وعمل القاضي لن يكون مع وجود القانون أكثر من إصدار الحكم النهائي الذي يلائم ماوصل اليه التحقيق من إثبات او شبهة أو نفي او براءة.
المناقشة والترجيح
مناقشة أدلة المذهب الاول:
1 -الدليل الأول: (الرجال قوامون على النساء .. الخ) لا تعارض بين هذه الآية وقضاء المرأة لأن الآية نزلت بخصوص جواز تأديب الرجل لزوجته وإنفاقه عليها، وتقديم المهر لها وكفايته إياها سائر متطلباتها المعيشية والأدبية، وقد وضحها المفسرون من هذا المنطلق. فقد قال الطبري في تفسيره حول الآية الكريمة: أي أن الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن والاخذ على أيديهن فيما يجب عليهن لله ولأنفسهن: (بما فضل الله بعضهم على بعض) : يعني بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن وإنفاقهم عليهن أموالهن وكفايتهم إياهن مؤنتهن وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن ولذلك صاروا أقوامًا عليهن نافذي الامر عليهن فيما جعل الله إليهم من أمورهن. ثم أورد الطبري رواية عن ابن المبارك قال: سمعت سفيان يقول: بما فضل الله بعضهم على بعض: قال بتفضيل الله الرجال على النساء وذكر ان هذه الآية نزلت في رجل لطم إمرأته فخوصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لها بالقصاص فانزل الله الآية ثم أكدها برواية أخرى عن محمد بن الحسين تؤيد الرواية الأولى التي أوردها