وقوله تعالى: (لا يتخذ المؤمنين الكافرين أولياء من دون المؤمنين) (54) [54]
ثم إن القاضي يطبق أحكام الشريعة الإسلامية وهي دين وتطبيق الدين يحتاج إلى إيمان به من قبل أن يطبقه، وخوف من الله يمنعه من الحيدة من التطبيق السليم لأحكامه، ولا يتأتى ذلك من غير المسلم الذي لا يؤمن بهذا الدين وهو الإسلام بل ربما يحمله كفره بالإسلام على تعمد مخالفة أحكامه أو العبث بها ولا خلاف بين الفقهاء في اشتراط الإسلام فيمن يتولى القضاء.
وأما تولية القضاء لغير المسلم على غير المسلمين فقد منعها ولم يجزها جمهور الفقهاء لأن شرط الإسلام عندهم، شرط ضروري لا بد منه فيمن تولى القضاء سواء كان قضاؤه على المسلمين أو على غير المسلمين (55) . [55]
وذهب الحنفية إلى جواز تقليد الذمي (وهو غير مسلم) القضاء على أهل الذمة وعللوا ذلك بأن أهلية القضاء بأهلية الشهادة، والذمي من أهل الشهادة على الذميين فهو إذًا أهل لتولي القضاء عليهم وكونه قاضيًا خاصًا بهم لا يقدح في ولايته كما لا يضر، تخصيص القاضي المسلم بالقضاء بين أفراد جماعة معينة من المسلمين (56) . [56]
والراجح: هو قول الجمهور، فلا يجوز أن يتولى سلطة القضاء في دار الإسلام إلا المسلم، سواء كان قضاؤه على المسلمين أو على غير المسلمين للأسباب التالية:
القانون الإسلامي، هو دين كما قلنا ولا يصلح لتطبيقه إلا المؤمن به وهو المسلم.
إن دار الإسلام تقوم على مبدأ وحدة القانون ووحدة جهة القضاء، والقانون الواجب التطبيق الذي تطبقه جميع المحاكم في دار الإسلام هو القانون الإسلامي.
إذا أجزنا لغير المسلم بأن يتولى القضاء فبأي قانون يحكم؟
إذا قلنا يحكم بقانون ديانته بالنسبة لغير المسلمين كنا بهذا القول قد خرجنا على مبدأ وحدة القانون في دار الإسلام، وخرجنا أيضًا على وحدة القضاء إذا تعددت جهات القضاء فتكون بعضها للمسلمين وبعضها لغير المسلمين، وإذا قيل أن الذمي يحكم بالقانون الإسلامي قلنا أن الذمي لا يصلح لهذا التطبيق لأنه يكفر بالإسلام ولا يؤمن به دينًا وكفره هذا قد يحمله على مخالفته.
ثم إذا أجزنا لغير المسلم بأن يتولى القضاء فما هي الشريعة الخاصة التي يطبقها إذا كان الطرفان المتنازعان مختلفي الملة والمذهب والطائفة كأن يكون أحدهما مسلمًا والأخر ذميًا أو يكون أحدهما مسيحيًا والأخر يهوديًا.
اعتراض ودفعة: قد يقال ان مراعاة أهل الذمة فيما يعتقدونه من أمور ديانتهم، كالنكاح وغيره هذه المراعاة تقتضي أن يتولى القضاء فيما بينهم فتعين الدولة قاضيًا منهم ليقضي في قضاياهم لاسيما وإن القاعدة الفقهية تقول: (أمرنا بتركهم يدينون) وهي قاعدة اخذ بها الفقهاء.
والجواب: إن مراعاة أهل الذمة في مناكحاتهم وما يعتقدونه من أمور دياناتهم مكفولة في الشريعة الإسلامية على ضوء ما يدينون به والى الحد الذي تراه الشريعة الإسلامية جديرًا بالرعاية، ولكن لا تلزم هذه الرعاية تولية القضاء لغير المسلم ولو كان قضاؤه على أهل ملته لما قلنا سابقًا.
وأما قاعدة (أمرنا أن نتركهم وما يدينون) فهي لا تقتضي توليتهم القضاء ولا تعني هذا المعنى، وإنما تعني عدم التعرض لعقيدتهم وما يدينون به وعدم إكراههم على اعتناق الدين الإسلامي.
ويلاحظ هنا أن الشريعة الإسلامية قدرت لهم أحكاما موضوعية يطبقها القاضي المسلم باعتبارها جزءًا من القانون الإسلامي واستمدها منه مباشرة ولا يطبقها باعتبارها جزءًا من قانون ديانتهم (57) [57]
الشرط الثالث: العدالة