وهذا تشبيه بشيء معروف عند الناس مألوف لديهم , وهو بيان واضح لتفضيل العالم على العابد, وفي كل منهما خير , والمقصود بالعالم الذي يؤدي الواجبات والمستحبات المندوب إليها, مع أداء قدر من النوافل المطلقة كصلاة الليل , ويجتنب المحرمات والمكروهات , ثم يشغل مابقي من وقته بالتعليم والإفتاء , بينما يشغل العابد جل وقته بعد الواجبات بفعل النوافل المطلقة كالصلاة والصيام والذكر .
وفي هذا الحديث بيان فضل للعلماء لايدانيه فضل , وهو أنهم ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام, فما أعظمه من ميراث ! وما أعظم الوارثين ! إن وراثة الدنيا بأسرها لاتساوي مسألة علمية يرثها العالم ثم يورثها من بعده , وإنه لايقدِّر هذا الشرف المعنوي إلا العظماء الذين تضاءلت نظراتهم المادية , وتسامت نظراتهم المعنوية .
ويسمو العالم الديني في نظر النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى يشبِّهه بنفسه الشريفة حيث يقول:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم , إن الله عز وجل وملائكته وأهل السموات والأرض , حتى النملة في جحرها , وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير"أخرجه أبو عيسى الترمذي رحمه الله من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه , وصححه الشيخ الألباني رحمه الله (1) .
وفي هذا حث كبير على تعلم العلم الديني وتعليمه على المنهج الذي سار عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , فإن المشبه يلحق المشبه به , فكل ماكان من صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعلم العلم وتعليمه يجب أن يتصف بها العالم .
وجاء ذكر ماسبق من دعاء الملائكة وأهل السموات والأرض لمعلم الناس الخير , وخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر النملة في جحرها والحيتان , وإن أبرز مايجمع بين هاتين المجموعتين من خلق الله تعالى اختفاؤهما عن الأنظار فالنمل في جحورها تحت الأرض والحيتان تحت الماء .
(1) …صحيح الجامع الصغير رقم 4089 .