فالموقف الأول في رجوع علي بن عاصم الواسطي ليقضي دين أحد العلماء وهو أبو معاوية, وهذا مثل من الكرم المتأصل في النفس , حيث أجَّل سفره من أجل هذه المهمة , ولم يطلب منه أبو معاوية وإنما ذكر فقط بأنه خرج من أجل طلب سداد دين عليه , وليس غريبا هذا الكرم على علماء الدين بل هو الغالب عليهم وخاصة فيما بينهم ومع طلابهم لأنهم كانوا يريدون وجه الله تعالى والدار الآخرة , ولأن مثل هذا الموقف يكون بعيدًا عن الخيلاء والمباهاة , وهم كانوا أحرص شيء على توقِّي أمراض القلوب .
والموقف الثاني: في بكاء علي بن عاصم حينما فاته السماع من منصور بن المعتمر , والبكاء أثر من آثار حرقة النفس وكمدها على فوات المحبوب , وقد كان العلم أعزَّ محبوب من المطالب عند أهل العلم .
وقد كان علي بن عاصم يستطيع سماع مافاته من مرويات منصور بن المعتمر من تلامذته الذين سمعوا منه , ولكنه كان يريد علو الإسناد , وكان ذلك مطلبا عزيزًا عند أهل الحديث رحمهم الله تعالى , وقد عوَّضه الله سبحانه بما يشفي وَجْده ذلك بما سمع من حصين بن عبد الرحمن الذي لم يكن بينه وبين ابن عباس رضي الله عنهما إلا عكرمة.
والموقف الثالث: فيما قام به حصين بن عبد الرحمن من مواساة علي بن عاصم حينما رأى مصيبته بفقد منصور بن المعتمر , حيث جلس يحدثه شهرًا , فعوضه عما فاته مما قدم الكوفة من أجله, وقد كان العلماء يقدِّرون طالب العلم الذي يلمسون منه إخلاصا في طلب العلم .
وإلى جانب حرص الطلاب في ذلك الزمن على تعلم العلم نجد الآباء يشجعون أبناءهم ويوجهونهم إلى العلماء , ويبذلون في سبيل ذلك الكثير من أموالهم كما جاء عن عاصم بن علي أنه قال: دفع إليَّ أبي مائة ألف درهم , وقال: اذهب فلا أرى لك وجهًا إلا بمائة ألف حديث (1) .
(1) …سير أعلام النبلاء 9/252 , تاريخ بغداد 11/447 .