فهذا مثل من أمثلة اهتمام الآباء بتوجيه أبنائهم نحو العلم مع مايكلفهم ذلك من أموال , فقد كانوا أسخياء بأموالهم في سبيل تعليم أبنائهم , وإذا كان طلب العلم لايحصل إلا بهذا الجهد البدني والمالي فإنه أبقى له وأجدر بالانتفاع به .
موقف لعبد الله بن داود الخُرَيْبي رحمه الله:
ويشبه موقف علي بن عاصم مارواه الكديمي عن عبد الله بن داود الخُرَيْبي أنه قال: كان سبب دخولي البصرة لأَنْ ألقى ابن عون فلما صرت إلى قناطر سردارا تلقاني نعيه , فدخلني ما الله به عليم (1) .
موقف لابن المديني رحمه الله:
ومن أمثلة حرصهم على طلب العلم ماجاء عن إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: قدمت البصرة فجاءني علي بن المديني فقال: أول شيء أطلب أن تخرج إليَّ حديث الوليد بن مسلم , فقلت: يا ابن أمَّ, سبحان الله وأين سماعي من سماعك ؟ فجعلت آبَى , ويلح , فقلت له: أخبرني عن إلحاحك ماهو ؟ قال أُخبرُك: إن الوليد رجل أهل الشام , وعنده علم كثير , ولم استمكن منه, وقد حدثكم بالمدينة في المواسم , وتقع عندكم الفوائد , لأن الحجاج يجتمعون بالمدينة من الآفاق فيكون مع هذا بعض فوائده ومع هذا شيء .
قال: فأخرجت إليه , فتعجب من كتابه , كاد أن يكتبه على الوجه (2) .
فهذا مثال لحرص العلماء على نوادر العلم , كما أنه مثال لتواضعهم في الطلب فإن عليَّ بن المديني أشهر من إبراهيم بن المنذر , ومع ذلك يذهب إليه ابن المديني ليأخذ منه الفوائد العلمية.
وهو إضافة إلى ذلك مثال لما كانت تعمر به مكة والمدينة في أيام المواسم من النشاط العلمي المترتب على وفود العلماء وطلاب العلم من الآفاق , وهذه منفعة عظمى من المنافع التي ذكرها الله جل وعلا بقوله [ الحج: 28 ] .
من مواقف أبي حاتم وزملائه رحمهم الله:
(1) … سير أعلام النبلاء 9/348 , تهذيب الكمال 678 .
(2) … سير أعلام النبلاء 9/214 .