فهذه الرؤيا جاءت تذكيرا وإيقاظا لهذا الإمام لِمَا أراد الله تعالى به من الخير , وإلا فهو على علم غالبا بالأحاديث التي تحث على نشر العلم وتُبَيِّن أن ذلك من أزكى الأعمال الصالحة , لكن غلب عليه الورع , فغلَّب جانب اتقاء الأثم المحتمل على التزود بالعمل الصالح المتيقن مع صلاح النية .
-توجيهات ومواقف في الاهتمام بالعلم -
موقف لهشام بن عمار رحمه الله:
ومن أمثلة اهتمامهم بطلب العلم مارُوي عن هشام بن عمار قال: دخلت على مالك (1) فقلت له: حدثني , فقال: اقرأ , فقلت: لا بل حدثني , فقال: اقرأ , فلما أكثرت عليه, قال: ياغلام تعال اذهب بهذا فاضربه خمسة عشر , فذهب بي فضربني خمس عشرة دِرَّة (2) , ثم جاء بي إليه, فقال: قد ضربته , فقلت له: لِمَ ظلمتني ؟ ضربتني خمس عشرة درةً بغير جرم , لا أجعلك في حل , فقال مالك: فما كفارته ؟ قلت: كفارته أن تحدثني بخمسة عشر حديثا, قال: فحدثني بخمسة عشر حديثا , فقلت له: زد من الضرب وزد في الحديث,فضحك مالك وقال: اذهب (3) .
فهذا مثل بليغ في اهتمام طلاب العلم بالتحصيل العلمي في رواية السنة النبوية وقد كانوا يرون أن تحديث الشيخ إياهم أعلى من قراءتهم عليه ولكن علماء المدينة اعتادوا على قراءة تلاميذهم عليهم , فقد احتمل هشام بن عمار الضرب في سبيل العلم, وكان يريد المزيد من العلم وإن ناله مزيد من الضرب في سبيل ذلك .
وفيه مثل من اهتمام الإمام مالك بتأديب الطلاب الذي قد يصل إلى حد الضرب , ومع أنه قد فعل ذلك على سبيل التأديب فإنه لما تظلَّم إليه هشام بن عمار غلب عليه جانب الخوف من الله تعالى فسأل ذلك الطالب عن كفارة ماحصل منه نحوه , وهذا دليل على قوة إيمانه وشدة استحضاره لرقابة الله عز وجل والحساب الأخروي .
(1) يعني الإمام مالك بن أنس . (2) الدرة بكسر الدال العصا الصغيرة .
(2) سير أعلام النبلاء 11/429 .