من مواقف أبي يوسف يعقوب الفسوي رحمه الله:
من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير في ترجمة الإمام أبي يوسف يعقوب بن أبي معاوية الفسوي قال: وقد رحل في طلب الحديث إلى البلدان النائية , وتغرَّب عن وطنه ثلاثين سنة , وروى ابن عساكر عنه قال: كنت أكتب في الليل على ضوء السراج في زمن الرحلة, فبينا أنا ذات ليلة إذ وقع شيء على بصري فلم أبصر معه السراج , فجعلت أبكي على مافاتني من ذهاب بصري, ومايفوتني بسبب ذلك من كتاب الحديث , وما أنا فيه من الغربة , ثم غلبتني عيني فنمت فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مالك ؟ فشكوت إليه ما أنا فيه من الغربة ومافاتني من كتابة السنة, فقال: ادْنُ مني , فدنوت منه فجعل يده على عيني , وجعل كأنه يقرأ شيئًا من القرآن, ثم استيقظت فأبصرت وجلست أسبح الله (1) .
وهكذا كان اهتمام الإمام الفسوي سببا فيما نزل به من الغم الشديد حينما فقد بصره , فلم يفكر - آنذاك - بأمور دنياه وإنما كان باله مشغولا بما سيفوته من كتابة السنة النبوية بسبب فقد البصر , وقد رحمه الله تعالى فشفاه بواسطة رقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياه في المنام , وأكْرِمْ بها من واسطة!
من مواقف عبد الله بن المبارك وعلي بن الحسن بن شقيق رحمهما الله:
ومن أمثلة اهتمامهم بالعلم وهيامهم بمذاكرته مارُوي عن علي بن الحسن بن شقيق رحمه الله قال: قمت لأخرج مع ابن المبارك في ليلة باردة من المسجد , فذاكرني عند الباب بحديث أو ذاكرته فما زلنا نتذاكر حتى جاء المؤذن للصبح (2) .
فهذان العالمان الجليلان يستغرقان في مذاكرة الحديث ليلة كاملة عند باب المسجد, ولم يعكِّر عليهما ماكان من برودة الجو لأن اشتياقهما إلى المذاكرة واستغراقَ أفكارهما في العلم ينسيهما لوافح البرد وسمائم الحر .
من مواقف إسماعيل بن عياش رحمه الله:
(1) البداية والنهاية 11/63 - 64 .
(2) سير أعلام النبلاء 8/339 .