فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 71

وهكذا فعل الإمام مالك حينما اعتذر عن الفتيا في تلك المسألة مع أن ذلك زاده شرفا ومنزلة عند العلماء , لأنهم عَدُّوا ذلك دليلا على ورعه وتقواه .

وقد بين في خبر آخر عنه أنه يخشى من إجابة السائلين القادمين من الآفاق البعيدة أن يرجع عن فتواه إلى مايراه أقرب إلى الصواب , فلا يستطيع بعد ذلك العثور على السائلين لإخبارهم بذلك, كما أخرج أبو نعيم بإسناده عن عمرو بن يزيد أنه قال قلت لمالك: يا أبا عبد الله يأتيك الناس من بلدان شتَّى قد أنَضَوا مطاياهم , وأنفقوا نفقاتهم يسألونك عمَّا جعل الله عندك من العلم تقول لا أدري ! فقال: ياعبد الله يأتيني الشامي من شامه , والعراقي من عراقه , والمصري من مصره, فيسألونني عن الشيء لعلِّي أن يبدوَ لي فيه غير ما أجيب به فأين أجدهم ؟ (1) .

وهذا أبلغ في التحري والورع حيث يكون له اجتهاد في المسألة ويخشى أن يتغير اجتهاده .

موقف لعبد الله القعنبي رحمه الله:

ومن العلماء من بالغ في الورع فترك نشر الحديث خشية الوقوع في مآثم بسبب ذلك مثل احتمال مداخلة الرياء والسمعة أو وقوع الخلاف مع العلماء الآخرين ونحو ذلك ورأى بسبب ذلك أن يتفرغ لأداء الشعائر التعبدية .

ومن هؤلاء الإمام عبد الله بن مسلمة القعنبي , ولكنه بعد التوقف رجع إلى التحديث بسبب رؤيا صالحة رآها , كما رُوي عن أبي سبرة المديني قال: قلت للقعنبي: حدَّثتَ ولم تكن تحدث! قال: إني رأيت كأن القيامة قد قامت , فَصِيحَ بأهل العلم , فقاموا وقمت معهم , فنودي لي: اجلس, فقلت: إلهي ألم أكن أطلب ؟ قال: بلى ولكنهم نشروا وأخفيته , قال: فحدثت (2) .

(1) حلية الأولياء 6/324 .

(2) سير أعلام النبلاء 10/261 - 262 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت