ويربط النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث آخر بين الخير والفقه في الدين كما في قوله"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" (1) .
وذلك أن عبادة الله تعالى بغير فقه قد تضر صاحبها , وذلك فيما إذا عبد الله سبحانه بغير ماشرع.
فهذه النصوص وأمثالها تدل على فضل الاشتغال بطلب العلم ونشره على الاشتغال بنوافل العبادة, وإن كان الكمال في الجمع بين ذلك لمن استطاع .
ولو أن الإمام مالكا وأمثاله من العلماء ساروا على منهج ذلك العابد الذي أشار عليه بالعزلة والاشتغال بنوافل العبادة لما انتشر العلم ولَعَبَد الناسُ ربهم على جهل , وماذلك الاهتمام الذي تمتع به ذلك العابد إلا بسبب مابلغه من العلم من طريق العلماء الذين تقربوا إلى الله تعالى بنشر العلم .
ومن المواقف في الاهتمام بالعلم مارواه ابن مهدي قال: سأل رجل مالكا عن مسألة فقال: لا أحسنها , فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها , فقال له مالك: فإذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قد قلت لك: إني لا أحسنها (2) .
فهذا مثل على ورع الإمام مالك وقوة إيمانه , فقد كان لايفتي إلا متمكنا من معرفة الحكم, ولايبالي أن يوصف بنقص العلم إذا اعتذر عن الجواب, لأنه لايعمل من أجل الناس وإنما يعمل من أجل الله تعالى , والعالم إذا سئل عن مسألة فأجاب يكون قد خلص نفسه من الناس , ولكنه إذا أجاب بغير علم يكون قد ورط نفسه وأوقعها في مهلكة , فالعالم التقي يوازن بين مشكلة الدنيا التي قد تنقص من جاهه ومكانته عند الناس , وبين مشكلة الآخرة , حينما يقف للحساب بين يدي الله تعالى فيسأله عن الفتوى بغير علم , فيفضِّل الخلاص من مشكلة الآخرة وإن حصل له نقص في جاهه ومنزلته في الدنيا .
(1) صحيح الجامع رقم 6487 (5/371) .
(2) حلية الأولياء 6/323 .