ومن مواقف الإمام أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف رحمهما الله ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر الإمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب الإمام أبي حنيفة قال: توفي أبي وأنا صغير فأسلمتني أمي إلى قصار (1) , فكنت أمرُّ على حلقة أبي حنيفة فأجلس فيها , فكانت أمي تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بي إلى القصار , ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة, فلما طال ذلك عليها قالت لأبي حنيفة: إن هذا صبي يتيم ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلي, وإنك قد أفسدته علي , فقال لها: اسكتي يارعناء (2) , هاهو ذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج , فقالت له: إنك شيخ قد خرفت , قال أبو يوسف: فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي , وهو أول من لُقِّب قاضي القضاة , وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة - قال أبو يوسف: فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أُتِيَ بفالوذج في صحن فيروزج , فقال لي: كل من هذا فإنه لايُصنع لنا في كل وقت , وقلت: وماهذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال: الفالوذج , قال: فتبسمت فقال: مالك تتبسم ؟ فقلت: لاشيء أبقى الله أمير المؤمنين , فقال: لَتخبرنِّي , فقصصت عليه القصة , فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة , ثم قال: رحم الله أبا حنيفة فلقد كان ينظر بعين عقله , مالا ينظر بعين رأسه (3) .
ففي هذا الخبر مثل على اهتمام الطلاب آنذاك بالعلم , حيث تنبه الإمام أبو يوسف إلى أهمية العلم وهو طفل , وفراسة عالية وتقدير للعلم من الإمام أبي حنيفة حيث أخبر بما سيؤول إليه أمر أبي يوسف, وموقف لأمير المؤمنين هارون الرشيد في إعزاز العلماء وتقديرهم .
من مواقف هاشم السلمي وشيخه أبي شيبة رحمهما الله:
(1) القصَّار الصانع أو مبيض الثياب .
(2) أي ياحمقاء .
(3) البداية والنهاية 10/ 186 - 187 .