فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 71

ومن مواقف الإمام أبي حنيفة وتلميذه أبي يوسف رحمهما الله ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر الإمام القاضي أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب الإمام أبي حنيفة قال: توفي أبي وأنا صغير فأسلمتني أمي إلى قصار (1) , فكنت أمرُّ على حلقة أبي حنيفة فأجلس فيها , فكانت أمي تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بي إلى القصار , ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبي حنيفة, فلما طال ذلك عليها قالت لأبي حنيفة: إن هذا صبي يتيم ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلي, وإنك قد أفسدته علي , فقال لها: اسكتي يارعناء (2) , هاهو ذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج , فقالت له: إنك شيخ قد خرفت , قال أبو يوسف: فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي , وهو أول من لُقِّب قاضي القضاة , وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة - قال أبو يوسف: فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أُتِيَ بفالوذج في صحن فيروزج , فقال لي: كل من هذا فإنه لايُصنع لنا في كل وقت , وقلت: وماهذا يا أمير المؤمنين ؟ فقال: الفالوذج , قال: فتبسمت فقال: مالك تتبسم ؟ فقلت: لاشيء أبقى الله أمير المؤمنين , فقال: لَتخبرنِّي , فقصصت عليه القصة , فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة , ثم قال: رحم الله أبا حنيفة فلقد كان ينظر بعين عقله , مالا ينظر بعين رأسه (3) .

ففي هذا الخبر مثل على اهتمام الطلاب آنذاك بالعلم , حيث تنبه الإمام أبو يوسف إلى أهمية العلم وهو طفل , وفراسة عالية وتقدير للعلم من الإمام أبي حنيفة حيث أخبر بما سيؤول إليه أمر أبي يوسف, وموقف لأمير المؤمنين هارون الرشيد في إعزاز العلماء وتقديرهم .

من مواقف هاشم السلمي وشيخه أبي شيبة رحمهما الله:

(1) القصَّار الصانع أو مبيض الثياب .

(2) أي ياحمقاء .

(3) البداية والنهاية 10/ 186 - 187 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت