ولأهمية إخلاص النية نجد سفيان الثوري رحمه الله يقول: مانعلم شيئا أفضل من طلب العلم بنية (1) .
يعني أن يطلب المسلم العلم ابتغاء وجه الله تعالى وحده , وإنما جعل سفيان ذلك أفضل من أداء نوافل العبادة مثلا لأن الإخلاص في طلب العلم عسير المنال عند كثير من طلاب العلم , فهو يحتاج إلى مكابدة ومجاهدة للنفس حتى تستقيم على النية الخالصة وتتجرد من الرياء والسمعة .
ولقد بين سفيان الثوري رحمه الله منزلة العالم الصادق في إصلاح الأمة حيث يقول: المال داء هذه الأمة والعالم طبيب هذه الأمة,فإذا جر العالم الداء إلى نفسه فمتى يبرئ الناس ؟ (2) .
نعم , متى يبرئ الناس وهو مريض , كما قال الشاعر:
طبيب يداوي الناس وهو عليل
إن مجموعة أدواء الأمة أكثرها يترتب على عبادة المال , فعبيد المال لايتورعون عن الكسب الحرام بطرقه المختلفة , ولايتورعون عن إنفاق المال في الوجوه المحرمة , إلى جانب اتصافهم بالحسد والغل والكذب والنفاق وغير ذلك من الأخلاق السيئة التي يجر إليها محاولة كسب أكبر قدر ممكن من المال , والانحراف في تصريفه .
والطبيب الذي يستطيع بإذن الله تعالى تشخيص أمراض القلوب ثم تطهيرها من تلك الأمراض هو عالم الدين الذي نوَّر الله بصيرته , وشغل قلبه بمحبته ومحبة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ومحبة دينه, وبالاهتمام الدائم بتشخيص أمراض الأمة والبحث في علاجها .
أما إذا كان العالم الديني قد رتع فيما رتع فيه مرضى القلوب فمن لهؤلاء المرضى ؟
أين من يشخص أمراضهم ويلتمس شفاءهم من تلك الأمراض ؟
وهكذا شخَّص سفيان الثوري رحمه الله أدواء الأمة وبيَّن سببها الأساسي , وعلى يد مَنْ يكون علاجها , ومتى يتمكن هؤلاء الأطباء من شفاء الأمة من أدوائها .
(1) سيرة أعلام النبلاء 7/244 .
(2) سيرة أعلام النبلاء 7/243 .