فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 71

وكان العلماء يهتمون بالعمل الصالح مع العلم النافع , ولايَعدُّون العلم نافعًا إذا لم يصاحبه العمل الصالح , وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم رحمه الله: قال رجل لأبي جعفر - وكان في دينه فقيها وفي دنياه أبله -: هنيئًا لك ما آتاك الله من القرآن , قال: ذاك إذا أحللت حلاله وحرمت حرامه وعملت بما فيه (1) .

وأبو جعفر هو يزيد بن القعقاع المدني القارئ أحد الأئمة العشرة في القراءات .

من مواقف سفيان الثوري وفضيل بن عياض رحمهما الله:

لقد كان علماء السلف يهتمون بإخلاص النية في طلب العلم لله تعالى, ويحثون طلابهم على ذلك , ومما رُوي في ذلك أن سفيان الثوري وفضيل بن عياض رحمهما الله التقيا فتذاكرا فبكيا, فقال سفيان: إني لأرجو أن يكون مجلسنا هذا أعظم مجلس جلسناه بركة , فقال له فضيل: لكني أخاف أن يكون أعظم مجلس جلسناه شؤما , أليس نظرت إلى أحسن ماعندك فتزيَّنت به لي وتزينتُ لك , فعبدتني وعبدتك؟ فبكى سفيان حتى علا نحيبه , ثم قال: أحييتني أحياك الله (2) .

وهكذا وجدنا هذين العالمين العابدين يلتقيان فيبكيان من ذكر الله تعالى, فيشعر سفيان الثوري بالفرح من تلك النتيجة الطيبة التي خرجا بها من ذلك المجلس , ولكن فضيل بن عياض يذكِّره بأن ماتذاكرا به من العلم الذي أثار فيهما خشية الله تعالى يُخشَى أن لايكونا وصلا به إلى درجة التجرد التام من ملاحظة النفس , خشية أن يكون خطر في بالهما تزيُّن كل واحد منهما للآخر بخير ماعنده من العلم , فيؤثر ذلك على إخلاص النية لله تعالى .

وإذا كان هذان السيدان الجليلان اللذان ملأت شهرتهما الأرض بالتقوى والعلم والورع والزهد قد خافا على نفسيهما من الرياء والسمعة فكيف بمن هو دونهما في هذه المحامد بمراحل؟!

(1) سير أعلام النبلاء 5/288 .

(2) سيرة أعلام النبلاء 7 /267 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت