الصفحة 9 من 62

فهذه أمثلة من رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصغار , والأطفال بحاجة ماسة إلى رحمة الكبار لأنهم في حال ضعف, وفي مرحلة الطفولة تتكوَّن بداية الأخلاق التي سيكون عليها الأطفال إذا كبروا , فإذا كانوا يعاملون في صغرهم بالمودة والرحمة واللطف فإنهم ينشؤون على هذه الأخلاق الكريمة , فيتعاملون بها إذا كبروا , ويعاملون بها صغارهم , وهكذا ينشأ شباب الأجيال في حال رشدهم على مانشؤوا عليه في حال طفولتهم , وتتم بذلك حلقات من التربية الإسلامية على مكارم الأخلاق.

وكان - صلى الله عليه وسلم - يتواضع لمن يستخدمهم ويعاملهم بالعناية والرعاية كما يعامل أبناءه كما جاء فيما أخرجه الإمام أبو داود من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أحسن الناس خلقا , فأرسلني يوما لحاجة , فقلت: والله لا أذهب , وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله - صلى الله عليه وسلم - , قال: فخرجت حتى أمرّ على صبيان وهو يلعبون في السوق فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم - قابض بقفاي من ورائي , فنظرت إليه وهو يضحك , فقال: يا أنيس اذهب حيث أمرتك ؟ قلت: نعم أنا أذهب يارسول الله , قال أنس: والله لقد خدمته سبع سنين - أو تسع سنين - ماعلمت قال لشيء صنعت لِمَ فعلت كذا وكذا ؟ ولا لشيء تركت هلا فعلت كذا وكذا" (1) .

وهل نجد مثلا أعلى من هذا في معاملة الخدم ؟!

إن هذه المعاملة الكريمة تُشعر الإنسان المستخدم بكرامته وإنسانيته ولاتلغي وجوده في المجتمع كإنسان يسهم في بناء المجتمع , والترقي به نحو الكمال , وهو حينما يخدم أهل النبل والفضل فإنما هو تلميذ في مدرسة تربوية أخلاقية , ومن المفترض أن يتخرج من هذه المدرسة وهو أعلى مايكون في سمو الفكر ونبل الأخلاق.

(1) …سنن أبي داوود رقم 4773 , الأدب باب 1 (5/132) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت