لقد كان للعلماء اهتمام بمعالجة أمراض القلوب التي تنتج عن عدم التحلي بخلق التواضع, وذلك كالكبر والعجب , ومن الأقوال في ذلك ماذكره الإمام الذهبي من خبر أبي وهب المروزي قال: سألت ابن المبارك: ما الكبر ؟ قال: أن تزدري الناس , فسألته عن العجب قال: أن ترى أن عندك شيئا ليس عند غيرك , لا أعلم في المصلين شيئا شرا من العجب (1) .
وقوله"أن تزدري الناس"مأخوذ من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"ولكن الكبر مَنْ بَطِر الحق وغمط الناس" (2) , وقد ذكر ابن المبارك الشق الثاني من أنواع الكبر وهو ازدراء الناس واحتقارهم , ولعله اقتصر على ذلك لأنه مراد السائل , أما الشق الأول فهو بطر الحق وذلك بأن يترفع عن قبول الحق.
والكبر بنوعيه من الأخلاق الهدامة , فهو يعطل المواهب , ويقلل من الإنتاج الفكري, ويبعث على الظلم وهظم الحقوق بالنسبة للمتكبر , وعلى الغل والحقد بالنسبة لمن يعاملهم المتكبر , إلى غير ذلك من المفاسد الكثيرة المترتبة على الكبر.
أما العجب فهو قاصمة الظهر , لأن المرء إذا أعجب بنفسه أصيب بالغرور , وذلك يترتب عليه ضرر في الآخرة والدنيا , فأما ضرره في الآخرة فمنه الآثام المترتبة على الكبر من احتقار الناس والبحث عن عيوبهم وغير ذلك , وأما ضرره في الدنيا فإنه يُضعف من الإنتاج والتطلع نحو الكمال , لأن المعجب بنفسه يرى أنه قد بلغ درجات عاليةً من الكمال فلا يشعر بالنقص والحاجة إلى العمل وهو من أضر المهلكات على طلاب العلم لأن من أعجب بنفسه احتقر من حوله , وربما احتقر أساتذته , فيمنعه ذلك من الاستفادة منهم , وربما حمله الغرور على عدم الاجتهاد في التحصيل والمذاكرة فيصاب بالإخفاق في الاختبار أو عدم التسديد في الكتابة فتكثر أخطاؤه.
من مواقف أمير المؤمنين المأمون رحمه الله:
(1) …سيرة أعلام النبلاء 8/260.
(2) …سنن أبي داود , رقم 4092 , اللباس (4/352) , سنن الترمذي رقم 1999 , البر (4/360) .