الصفحة 43 من 62

من ذلك ماذكره الإمام الذهبي عن الإمام سليمان بن مهران المشهور بالأعمش وقد ذكر حديث الرجل الذي ذُكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه مازال نائما حتى أصبح ,ماقام إلى الصلاة فقال"بال الشيطان في أذنه"أخرجه الشيخان (1) .

فقال الأعمش: ما أرى عينيَّ عمشت إلا من كثرة مايبول الشيطان في أذني , قال أبو خالد الراوي عن الأعمش: وما أظنه فعل هذا قط.

قال الذهبي: يريد أن الأعمش كان صاحب ليل وتعبد (2) .

فهذا مثل من تواضع هذا الإمام الكبير , وقد كان هو وأمثاله من الصالحين يهتمون بتحقير النفس وإخفاء العمل الصالح قطعا لموارد العجب والرياء , وادخارًا لثواب العمل كاملا في دار البقاء.

من مواقف سفيان الثوري ومالك بن أنس رحمهما الله:

قال الحافظ ابن كثير في ترجمة الإمام أبي عمرو عبد الرحمن الأوزاعي: وقد حج مرة فدخل مكة وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله , ومالك بن أنس يسوق به , والثوري يقول: افسحوا للشيخ حتى أجلساه عند الكعبة , وجلسا بين يديه يأخذان عنه (3) .

فهذا مثل جيد لعلاقة المحبة والتواضع والاحترام بين العلماء , فالعلماء الثلاثة المذكورون كانوا متعاصرين , وكل واحد منهم قد بلغ حدّا عاليا من الشهرة , فمالك إمام أهل المدينة , والثوري إمام أهل الكوفة , والأوزاعي إمام أهل الشام , ومع تقاربهم في مستوى الشهرة فإن الإمامين مالك والثوري قاما بهذه المقابلة الكريمة للإمام الأوزاعي , وهذا دليل على فضلهما وقوة إيمانهما , حيث لم يَرَيَا في ذلك غضاضة من شأنهما ولاحطّا من قدرهما , بل بضد ذلك فإنهما بهذا السلوك العالي قد خلدا هذا المثل ليكون فيه قدوة لمن بعدهما من العلماء.

من مواقف عبد الله بن المبارك رحمه الله:

(1) …صحيح البخاري , التهجد رقم 1144 (3/28) , صحيح مسلم , باب المسافرين رقم 205.

(2) …سير أعلام النبلاء 6/233.

(3) …البداية والنهاية 10/119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت