الصفحة 40 من 62

وهكذا يشمل لطفه ذلك اليتيم مع إساءته إلى أحد ابنائه , ويُحظى منه بالتعويض المالي مقابل ذلك الفزع الذي حصل له , فما أبلغ رحمة عمر , وما أرق مشاعره , وما أسمى تفكيره في معاملة إخوانه المسلمين !!

مثل من رحمته بالغلمان:

أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من خبر عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: قال لي رجاء بن حيوة: ما أكمل مروءة أبيك , سمرت عنده ذات ليلة فعشَى السراج فقال لي: ماترى السراج قد عشى ؟ قلت: بلى , وإلى جانبه وصيف راقد , قال قلت: ألا أنبهه ؟ قال: لادعه يرقد (1) , قال: قلت: أفلا أقوم أنا ؟ قال: لا ليس من مروءة الرجل استخدام ضيفه, قال: فوضع رداءه ثم قال إلى بَطَّة زيت معلقة فأخذها فأصلح السراج ثم ردها إلى موضعها ثم رجع, قال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز ورجعت وأنا عمر بن عبد العزيز (2) .

فهذا الخبر يدل على قلب كبير يعرف مكارم الأخلاق ويقدرها. فهو يؤثر الرحمة بالمستخدمين على القسوة عليهم , ويؤثر إكرام الضيف على تكليفه بخدمته مع أنه أمير المؤمنين وأعظم حاكم على وجه الأرض آنذاك , فالرحمة والتواضع من أخلاق العظماء, ولايتصف بهما إلا من تجرد من حظ النفس وعاش للآخرين بفكره وجسمه ووقته.

رحمته بجارية له:

ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر النضر بن سهيل عن أبيه قال: قال عمر بن عبد العزيز لجارية له: ياجارية روحيني , فأقبلت تروحه فغلبتها عينها فنامت , فأخذ المروحة وأقبل يروحها, فانتبهت فصاحت , فقال لها عمر: إنما أنت بشر مثلي أصابك من الحرِّ ما أصابني , وأحببت أن أروِّحك مثل الذي روحتني (3) .

مثل من رحمته بأهل الذمة:

(1) …وفي رواية ابن كثير"لا أحب أن أجمع عليه عملين".

(2) …تاريخ دمشق 45/225 - 226 , وانظر الزهد للإمام أحمد /298 , والبداية والنهاية 9/203.

(3) …سيرة عمر بن عبد العزيز /146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت