الصفحة 36 من 62

ذكر الحافظ ابن الجوزي من حديث الليث بن سعد أن أبا النضر حدثه قال: دسست إلى عمر بن عبد العزيز بعض أهله أن قل له: إن فيك كبرًا وأنك تتكبر , فقيل ذلك له , فقال عمر: لبئس ماظننتَ إن كنتَ تراني أتوقى الدينار والدرهم مراقبة لله وأنطلق إلى أعظم الذنوب فأرتكبه. الكبرياء إنما هو رداء الرحمن فأنازعه إياه, ولكن كنت غلاما بين الغلمان - أو قال بين ظهري قومي - يدخلون عليَّ بغير إذن ويتوطئون فرشي ويتناولون مني مايتناول القوم من أخيهم الذي لاسلطان له عليهم. فلما أن وليت خيرت نفسي في أن أمكنهم من حالهم التي كنت لهم عليها وأعاقبهم فيما خالف الحق أو أتمنع منهم في بابي ووجهي ليكفوا عني أنفسهم وعن الذي أحذر عليهم لو كنت جرأتهم على نفسي من العقوبة والأدب فهو الذي دعاني إلى هذا (1) .

وهكذا اتُّهم هذا الولي الصالح والحاكم العادل بالكبر , وإنه لعجيب جدًّا أن يُظَنَّ بعمر بن عبد العزيز أنه متكبر وهو الذي خلَّف الدنيا بجاهها ومالها وراء ظهره , ولكن الذين ليست لديهم تجارب إدارية يعتقدون أن المسؤول يجب أن يكون بابه مفتوحا للناس في جميع الأوقات, ولايعلمون أنه لو فعل ذلك لأضاع كثيرا من أمور الأمة المهمة التي تحتاج إلى دراسة ونظر ومشورة من أصحاب الشأن , كما أن المسؤول يحتاج إلى وقت للتأمل والتفكير فيما يصلح أمور الأمة ويرفع من مستواها المادي والفكري وغير ذلك مما يلزم له الاحتجاب عن عامة الناس بعض الوقت.

مثل من حلمه على من جهل عليه:

أخرج الحافظ ابن عساكر من خبر الإمام الأوزاعي: أن عمر بن عبد العزيز كان إذا أراد أن يعاقب رجلا حبسه ثلاثة أيام ثم عاقبه كراهية أن يعجل في أول غضبه.

(1) …سيرة عمر بن عبد الزيز /148.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت