ثم إن الطريقة التي زَفَّ بها ابنته إلى ذلك الشاب كانت في غاية البساطة والروعة, فلا مظاهر ولا تكلف , ولا تقيدَ بالعوائد المرسومة التي تعارف عليها الناس.
ولقد كانت ابنته في غاية الطاعة له حيث سارت معه بتلك الطريقة البسيطة المحرجة لها, مما يدل على سمو تربيتها وقوة دينها وغزارة علمها , كما جاء في وصفها على لسان زوجها.
وأخيرًا نرى هذا الإمام الجليل يتحلى بالكرم الفياض , حيث أعطى ذلك الشاب الفقير عشرين ألف درهم , مع قبول تزويجه قبل ذلك على درهمين أو ثلاثة.
فلله دره ما أرجح عقله وأسمى تفكيره !! وما أكرمه وأحزمه !!
-من مواقف أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله -
من أمثلة تواضعه:
أخرج الحافظ أبو القاسم ابن عساكر من خبر الحكم بن عمر الرعيني قال: رأيت عمر بن عبد العزيز إذا صلى المكتوبة انصرف إلى أهله لايتطوع (1) , وربما جلس فجاء الغريب الذي لايعرفه- وكان يقوم من هذه الحلقة فيجلس مع هذه الحلقة - يسأل عن أمير المؤمنين وفي أي حلقة هو ! فيقف لايدري أيهم حتى يشار إليه: هذا أمير المؤمنين , فيسلم عليه بالخلافة (2) .
وذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر الإمام الأوزاعي قال: كان عمر بن عبد العزيز يجلس إلى قاصِّ العامة بعد الصلاة ويرفع يديه إذا رفع, ودخلت عليه ابنة أسامة بن زيد رضي الله عنهما ومعها مولاة لها تمسك بيدها , فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يدها في يده ويداه في ثيابه, ومشى بها حتى أجلسها في مجلسه , وجلس بين يديها , وماترك لها حاجة إلا قضاها (3) .
(1) …أي لا يصلي السنة الراتبة في المسجد وإنما يصليها في البيت لكون ذلك أفضل.
(2) …تاريخ دمشق 45/210 - 211.
(3) …سيرة عمر بن عبد العزيز /146.