قال: فأقمت ثلاثة أيام ثم دخلت بها فإذا هي من أجمل الناس , وإذا هي من أحفظ الناس لكتاب الله وأعلمهم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعرفهم بحق الزوج.
قال: فمكثت شهرًا لا يأتيني سعيد ولا آتيه , فلما كان قرب الشهر أتيت سعيدا وهو في حلقته , فسلمت عليه فرد السلام , ولم يكلمني حتى تقوَّض أهل المجلس , فلما لم يبق غيري قال: ماحال ذلك الإنسان ؟ قلت: خيرًا يا أبا محمد على مايحب الصديق ويكره العدو , قال: فإنْ رابك شيء فالعصا , فانصرفت إلى منزلي, فوجَّه إليّ بعشرين ألف درهم (1) .
فهذا الخبر فيه مثل على طموح عظماء الرجال نحو معالي الأمور , فحينما تسمو بالرجال نفوسهم يهون عليهم كلُّ ماتعارف الناس عليه من زخارف الدنيا وجاهها , ولايصبح أمامهم إلا هدف واحد يُسخِّرون له كل مافي حياتهم الدنيا من متاع وجاه , ألا وهو ابتغاء رضوان الله تعالى والجنة.
فهذا الإمام الجليل سعيد بن المسيب يخطب ابنته كبراء الناس - كما جاء في روايات أخرى- فلا يلتفت إلى مايترتب على ذلك من رفعة دنيوية في المال والجاه , بل كان الشيء الذي يهيمن على تفكيره هو لزوم حماية ابنته من تلك المظاهر الدنيوية, فهو يرى أنه لو زوجها من أبناء الكبراء لكان سببا في صرفها عن التزود بعمل الآخرة إلى الانشغال بمظاهر الدنيا , فامتنع من ذلك حماية لابنته من الفتنة , وصيانة لإيمانها من التصدع , وبالتالي فإنه قد وهبها الخير ولم يحرمها, وأسعدها ولم يُشْقها.
وكان يرى أن خيرها وسعادتها بزواجها من شاب تقي زاهد في الدنيا , فاغتنم فرصة وفاة زوجة أحد تلاميذه الأتقياء الفقراء فعرض عليه الزواج بابنته التي خطبها قبل ذلك أبناء الأكابر , وهذا يُعدُّ مثلًا عاليًا في التواضع والزهد في متاع الدنيا وجاهها.
(1) …حلية الأولياء 2/167 - 168 , وانظر سير أعلام النبلاء 4/233.