من ذلك ما أخرجه الحافظ أبو نعيم من خبر كُثَيِّر بن المطلب بن أبي وداعة قال: كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياما , فلما جئته قال: أين كنت ؟ قال: توفِّيَتْ أهلي فاشتغلت بها, فقال: ألا أخبرتنا فشهدناها , قال: ثم أردت أن أقوم فقال: هل استحدثت امرأة ؟ فقلت: يرحمك الله ومن يزوجني وماأملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ فقال: أنا , فقلت: أوَ تفعل؟ قال: نعم, ثم حمد الله تعالى وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجني على درهمين أو ثلاثة.
قال: فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح , فصرت إلى منزلي , وجعلت أتفكر ممن آخذ وممن أستدين , فصليت المغرب وانصرفت إلى منزلي , واسترحت , وكنت وحدي صائما, فقدَّمت عشائي أفطر كان خبزًا وزيتًا , فإذا بآت يقرع , فقلت: من هذا ؟ قال: سعيد, قال: ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيدَ بن المسيب , فإنه لم يُرَ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد, فقمت فخرجت فإذا سعيدُ بن المسيب فظننت أنه قد بدا له , فقلت: يا أبا محمد ألا أرسلت إليّ فآتيك , قال: لا , لأنت أحق أن تُؤتَى , قلت: فما تأمر ؟ قال: إنك كنت رجلا عزبا فتزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك , وهذه امرأتك , فإذا هي قائمة من خلفه في طوله, ثم أخذها بيدها فدفعها بالباب , ورد الباب فسقطَتْ المرأة من الحياء , فاستوثقت من الباب ثم تقدمت إلى القصعة التي فيها الزيت والخبز فوضعتها في ظل السراج لكي لاتراه, ثم صعدت إلى السطح فرميت الجيران , فجاؤوني فقالوا: ماشأنك ؟ قلت: وَيْحكم زوجني سعيد ابن المسيب , وهذه ابنته اليوم وقد جاء بها على غفلة , فقالوا: سعيد بن المسيب زوجك ؟! قال: نعم , وهاهي في الدار , قال: فنزلوا هم إليها , وبلغ أمي فجاءت وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام.