وما أبلغه من عمل يسهم فيه فاعله في تثبيت خلق التواضع في المجتمع !
وهكذا يصنع العظماء في إهانة أنفسهم من أجل إشاعة الأخلاق السامية وتربية المسلمين على الخشونة والزهد.
وإنه لايقدِّر على هذا العمل إلا من عظمت الآخرة في عينه إلى الحد الذي أصبح لاينظر معه إلى الجاه الدنيوي ولا إلى انتقاد الناس مادام واثقا من أنه يمثل الأخلاق العالية في أسمى صورها.
ويذكر الحسن البصري رحمه الله تواضع سلمان وهو أمير على المدائن فيقول: كان عطاء سلمان خمسة آلاف , وكان على ثلاثين ألفا من الناس يخطب في عباءة يفرش نصفها ويلبس نصفها, وكان إذا خرج عطاؤه أمضاه - يعني تصدق به - ويأكل من سفيف يده رضي الله عنه.
ويقول النعمان بن حميد: دخلت مع خالي على سلمان بالمدائن وهو يعمل الخوص , فسمعته يقول: أشتري خوصا بدرهم فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم , فأعيد درهما فيه , وأنفق درهما على عيالي , وأتصدق بدرهم, ولو أن عمر نهاني عنه ما انتهيت (1) .
يعني لو أن عمر رضي الله عنه أمره بترك هذا العمل اليدوي والإنفاق على عياله من العطاء لما فعل.
وإن هذا لنموذج فريد من العناصر الزكية التي خلصها الإسلام من جميع أنواع الغش فعادت جوهرًا نقيا صافيا من الكدر.
وإن المتأمل ليقف مندهشا من هذه القوة الجبارة التي تحمل سلمان وأمثاله على إنفاق عطائهم من بيت المال بالكامل , والأكل من بعض عمل أيديهم وإنفاق بعضه الآخر.
إنهم لايعملون حسابا للإصابة بالأمراض أو كساد الأسواق ونحو ذلك لأنهم قد اكتفوا باليسير من المعيشة وعودوا أنفسم على ذلك وهذا النوع من المعيشة يمكن بتوفيق الله تأمينه بسهولة عند الاضطرار بخلاف من يتوسعون في النفقات ويأْلفون حياة الترف,فمن الصعب عليهم النزول إلى العيش الضروري لأن نفوسهم تحتاج إلى فترة من الزمن حتى تألف على ذلك.
(1) …سير أعلام النبلاء 1/547.