هذا وإن موقف عمر حين كَمَنَ لأخيه حذيفة رضي الله عنهما ليراه على الحال التي يصل عليها دليل على اهتمامه بالحفاظ على الرصيد الأخلاقي للأمة , لأنه إذا استطاع أن يحافظ على تماسك هذا الرصيد عند الولاة فإن الأمة تبع لهم في ذلك.
وفي التزامه إياه وإعلان الأخوة بينهما مظهر خلاب من مظاهر الفرحة القلبية , وسعادة الروح, حينما يرى الأخ أخاه في الله على الوضع الديني الذي يُرضي الله تعالى.
من مواقف سلمان الفارسي رضي الله عنه:
لقد كان لسلمان الفارسي رضي الله عنه مواقف عالية في التواضع , فلقد كان متواضعًا لله تعالى ولعباده المؤمنين , ومن أمثلة تواضعه واهتمامه أنه لمَّا كان واليا على المدائن كان إذا سجدَتْ له العجم طأطأ رأسه وقال: خشعت لله خشعت لله (1) .
وفي هذا تقرير للتوحيد بالقول والعمل وتعليم لأولئك الجاهلين بأمر الله تعالى ومايجب له من إفراده بالسجود.
ومن أمثلة تواضعه رضي الله عنه مايرويه ثابت البناني قال: كان سلمان أميرًا على المدائن, فجاء رجل من أهل الشام ومعه حمل تِبْن وعلى سلمان"اَنْدَرا وِرْد" (2) وعباءة , فقال لسلمان: تعال احمل , وهو لايعرف سلمان , فحمل سلمان , فرآه الناس فعرفوه فقالوا: هذا الأمير , فقال: لم أعرفك , فقال له سلمان: لا , حتى أبلغ منزلك , وفي رواية أخرى: إني قد نويت فيه نية فلا أضعه حتى أبلغ بيتك (3) .
في هذا الخبر نوع نادر المثال من التواضع من سلمان رضي الله عنه , فهو أولا وهو أمير على المدائن عاصمة مملكة الفرس يلبس لباس الفقراء حتى ظنه ذلك الرجل ممن يحملون الأمتعة للناس فحمَّله ما معه من التبن , ثم بعد أن عرف ذلك الرجل أنه الأمير واعتذر منه أبى إلا أن يستمر حتى يوصله منزله لأنه نوى في ذلك عملا صالحا لله تعالى فكره أن يقطع ذلك العمل.
(1) …سير أعلام النبلاء 1/546.
(2) يعني نوعا من اللباس يغطي الركبة.
(2) صفة الصفوة 1/542.