الصفحة 27 من 62

وفي رواية أخرى عن ابن سيرين: أن حذيفة كان راكبًا على حمار له إكاف , وبيده رغيف وعرْق من لحم , فقالوا: سلنا ماشئت , فقال: أسألكم طعاما آكله وعلفا لحماري هذا مادمت فيكم.

فأقام ما شاء الله , ثم كتب إليه عمر: أن اقْدم , فقدم فلما بلغ عمرَ قدومُه كَمَنَ له في الطريق في مكان لا يراه , فلما رآه على الحال التي خرج من عنده عليها أتاه فالتزمه وقال: أنت أخي وأنا أخوك (1) .

وهكذا رأينا في هذه القصة المليئة بالعبر كيف أن وجوه أهل العراق قد خرجوا لاستقبال الأمير الذي توقعوا على الأقل أن يكون معه مرافقون وأن تكون له هيئة تميزه ولو بعض الشيء , ولكنهم فوجئوا بمرور الأمير حذيفة وهو وحده راكبًا حمارًا بشكل متواضع فلم يعرفوه.

إنه تلميذ من تلاميذ المدرسة النبوية التي تربَّى أفرادها على السمو عن مظاهر الدنيا وزخارفها وإظهار عزة الإسلام أمام ضغوط مظاهر الجاهلية.

إن هذا المظهر المتواضع الذي ظهر به هذا الأمير أمام من يهتمون بالمظاهر يُعدُّ درسا بليغا لهم ولغيرهم.

وإنه لموقف كبير أن يقف هذا الصحابي الجليل وأمثاله لوضع معوقات قوية توقف انحدار الناس نحو المظاهر الدنيوية لأنه إذا كان الأمير يظهر بهذا المظهر البسيط فإن من تميل نفسه إلى المظاهر ممن هم أقل منه منزلة اجتماعية سيجد حرجا في الاستمرار في هذه المظاهر.

وحين قالوا له:"سلنا ماشئت"كان أمامه فرصة ذهبية للتكثُّر من الدنيا والتمتع بطيباتها لو كان من أهلها , ولكنه لم يطلب إلا طعاما له وعلفا لحماره , وإن أقل أجير يكون عند صاحب عمل لايرضى بأن يعمل بطعام بطنه فقط , ولكنها النفوس العلية تأبى إلا السمو دائمًا نحو المكارم, وتعمل جاهدة على رفع رصيدها الأخروي وإن أضرت بأجسامها في دار الفناء.

(1) …صفة الصفوة 1/612.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت