فهذا مثل من أمثلة التواضع وعدم الغرور بالفضيلة التي لا يوصل إليها , فقد أشاد ذلك الرجل بالمقداد لكونه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - , فلم يفتخر المقداد بدرجة الصحبة التي لا يستطيع التابعون ولا غيرهم أن يصلوا إليها , وأنكر على ذلك التابعي تمنِّيه لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ذلك ليس في إمكانه , ووجَّهه ومن حوله من التابعين إلى أن يحمدوا الله تعالى على أنهم نشؤوا في الإسلام ولم يتعرضوا للبلاء الذي تعرض له الصحابة , وإن مقتضى حمد الله جل وعلا على الهداية أن يستقيم المسلم على تكاليف هذا الدين وأن يكثر من الأعمال الصالحة.
وإذا كان غير الصحابة لم يتمكنوا من لقاء النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدنيا فإن لصالحي أمته موعدًا معه للِّقاء يوم القيامة , فليفكر المسلم بذلك اللقاء المحقق وليُعِدَّ له عدَّته.
وهكذا نجد الصحابة رضي الله عنهم تربويين يدفعون الناس إلى العمل الذي ينفعهم في حياتهم الدنيا والأخرى , ولا يتركونهم لأحلامهم التي لاشيء وراءها.
من مواقف حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما:
عن ابن سيرين رحمه الله قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا بعث أميرًا كتب إليهم: إني قد بعثت إليكم فلانا وأمرته بكذا وكذا فاسمعوا له وأطيعوا , فلما بعث حذيفة رضي الله عنه إلى المدائن كتب إليهم: إني قد بعثت إليكم فلانا فأطيعوه , فقالوا: هذا رجل له شأن , فركبوا ليتلقوه , فلقوه على بغل تحته إكاف وهو معترض عليه , رجلاه من جانب واحد فلم يعرفوه فأجازوه - يعني مَرُّوا به وخلَّفوه - فلقيهم الناس فقالوا: أين الأمير ؟ قالوا: هو الذي لقيتم , قال: فركضوا في أثره فأدركوه وفي يده رغيف وفي الأخرى عَرْق - يعني قطعة لحم - وهو يأكل, فسلموا عليه , فنظر إلى عظيم منهم فناوله العَرْق والرغيف , قال: فلما غفل ألقاه أو قال: أعطاه خادمه.