الصفحة 30 من 62

ومن مواقفه في الزهد والتواضع مارواه أبو ظبيان عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: نزلت بالصِّفاح في يومٍ شديد الحر , فإذا رجل نائم في حر الشمس يستظل بشجرة, معه شيء من الطعام ومزوده تحت رأسه ملتف بعباءة , فأمرت أن يُظلَّل عليه, ونزلنا فانتبه فإذا هو سلمان فقلت له: ظلَّلنا عليك وماعرفناك , قال: ياجرير تواضعْ في الدنيا فإنه من تواضع يرفعه الله يوم القيامة , ومن يتعظَّم في الدنيا يضعْه الله يوم القيامة , لو حَرَصت على أن تجد عودًا يابسا في الجنة لم تجده , قلت: وكيف ؟ قال: أصول الشجر ذهب وفضة , وأعلاها الثمار , ياجرير تدري ماظلمة النار ؟ قلت: لا , قال ظلم الناس (1) .

وفي عمل جرير مع سلمان دليل على ماكان يتحلى به الصحابة رضي الله عنهم من حب فعل الخير والإحسان إلى الناس عرفوهم أو لم يعرفوهم , لأنهم إنما يطلبون ثوابهم من الله تعالى , حيث قام جرير بالتظليل على ذلك الرجل النائم من الشمس وهو لايعرفه , فأتحفه سلمان بهذه الموعظة البليغة في لزوم التواضع والزهد في الحياة الدنيا , واجتناب ظلم الناس.

وفي هذا الخبر توجيه من سلمان رضي الله عنه إلى التخلق بخلق التواضع , وقد رغَّب في ذلك بذكر ثمرته في الآخرة , وإذا كان الإنسان في الدنيا يتواضع لمديره في العمل من أجل أن يساعده في رفع مستواه الوظيفي , أفلا يتواضع المسلم لإخوانه من أجل الله تعالى ليكسب رفعةً في الدرجات يوم القيامة ؟!

وإذا كانت الدنيا تقوم على تبادل المنافع فلنفرض أن منفعةً دنيوية زالت من الإنسان فما الذي سيخسره مادام مستور الحال ولايدري ما مقامه في هذه الحياة ؟

ولكن كم يخسر لو ضاعت منه منافع الآخرة حينما ترتفع درجات الصالحين ويبقى هو في مؤخرة الناس ؟!

ثم تساءل سلمان عن الظلمات يوم القيامة فأجاب بأنها ظلم الناس بينهم في الدنيا , وإذا كان الأمر كذلك فما أقل متعة الظالم في الدنيا وما أقصر مدتها !

(1) …سير أعلام النبلاء 1/548.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت