وقد تكرر هذا المشهد من علي بن أبي طالب وسلمان وحذيفة بن اليمان رضي الله عنهم وكلهم كانوا - آنذاك - أمراء , ولقد أثبتوا لمن عاصرهم من التابعين ولمن جاء بعدهم أنهم أعلى تفكيرًا وأبعد طموحًا من أن تؤثر عليهم مناصب الدنيا , لأنهم إنما أرادوا الآخرة , ومن أراد الآخرة أهان من أجلها الدنيا.
من مواقف عبد الله بن سلام رضي الله عنه:
أخرج الإمام أحمد من خبر عبد الله بن حنظلة أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه مرَّ في السوق وعليه حزمة من حطب , فقيل: أليس الله أعفاك من هذا ؟ قال: بلى , ولكن أردت أن أدفع به الكبر , سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لايدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر" (1) .
وهكذا يقوم عبد الله بن سلام رضي الله عنه بتطهير قلبه من مرض من أكبر أمراض القلوب, حيث يقوم بإذلال نفسه بذلك السلوك الذي قام به حتى لايتطرق إلى قلبه مثقال حبة خردل من كبر , وكم هو شعور الفرح لديه وهو يمارس ذلك العمل الذي يحس معه بأنه قد نجح في كبح جماح النفس عن الشرف والجاه الرفيع !!
من مواقف عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:
ذكر الحافظ ابن الجوزي من خبر حبيب بن أبي ثابت قال: خرج ابن مسعود ذات يوم فاتبعه ناس , فقال لهم: أَلَكُم حاجة ؟ قالوا: لا , ولكن أردنا أن نمشي معك , قال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع (2) .
فهذا مثل على تواضع عبد الله بن مسعود رضي الله عنه , وتعليله المذكور فيه نوع من الفقه الدقيق لمداخل الضعف في النفوس , وتغليب لجانب حفظ الدين وحمايته, فكم من مخدوع بتبعيَّة الناس له ووطئهم عقبيه أضر بآخرته ولم يخرج من الدنيا إلا بمقت الناس واحتقارهم , وعلى فرض محبة الناس للمتبوع فإن ذلك تربية لهم على الذلة والخنوع.
(2) …صفوة الصفوة 1/406.