الصفحة 23 من 62

إن مناصب الدنيا خداعة غرارة , وإن فتنة الجاه بها أعظم من فتنة المال , فلطالما رأى الناس مسؤولين كانوا متواضعين قبل أن يلوا , فلما تولوا مناصب كبيرة بدأ التعاظم في نفوسهم شيئا فشيئا , حتى يكون من الصعب في آخر الأمر مخاطبتهم واللقاء معهم , لكن أولياء الله المتقين كلما ازدادوا رفعة في المناصب الدنيوية زادوا تواضعا للناس , وشعروا بالسرور وهم يقومون بمظاهر التواضع التي تنفي عنهم صفة التجبر والكبرياء.

ومن أخبار تواضعه رضي الله عنه مارُوي عنه أنه اشترى تمرًا بدرهم فحمله في ملحفة , فقالوا: نحمل عنك يا أمير المؤمنين , قال: لا , أبو العيال أحق أن يحمل (1) .

فهذا مثل من تواضعه حيث حمل متاعه بنفسه مع كونه أمير المؤمنين ومع كبر سنه , فلم يَرَ في ذلك مسوِّغًا لقبول خدمة الناس له , وهو بهذا يجعل من نفسه قدوة حسنة للمسلمين في التواضع, فلو نازعتْ أحدَ الكبراء نفسهُ في تصور العيب من حمل المتاع فإنه بتذكُّره لموقف أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يزول مافي نفسه من ذلك , ولو اعترض على أحد المتواضعين معترض فإن له من الاقتداء بأكبر أمير على وجه الأرض مايرد هذا الاعتراض.

من مواقف أبي هريرة رضي الله عنه:

من ذلك ماذكره الحافظ ابن كثير من خبر ثعلبة ابن أبي مالك أن أبا هريرة أقبل في السوق يحمل حزمة حطب وهو يومئذ خليفة مروان فقال: أوسع الطريق للأمير يا ابن أبي مالك, قال فقلت: أصلحك الله تُلقي هذا , فقال: أوسع الطريق للأمير والحزمة عليه (2) .

فهذا مثل مما كان يقوم به الصحابة رضي الله عنهم من مظاهر التواضع , إما للتهوين من شأن النفس إذا أرادت أن تطمح لشيء من الجاه والمنزلة في الدنيا , أو من باب التعليم والقدوة الحسنة ليثبتوا للناس أن المناصب لاتغريهم , ولاتحملهم على شيء من العجب والكبرياء.

(2) …البداية والنهاية 8/114.

(2) الزهد / 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت