الصفحة 18 من 62

وهذه النظرة التربوية تعدُّ امتدادًا لمفعول الجهاد الدعوي , حينما قضى المسلمون على الطبقية السائدة في العالم آنذاك , حيث كان الضعفاء حاشية للأغنياء يُسَخِّرونهم لما يريدون , وفي ذلك شلل للفكر الإنساني وقضاء على حياة الإبداع والنبوغ , لأن فكر المجموعة من الناس يكون مرتبطًا بفكر رجل واحد , والذي عمَّق تلك الطبقية وحوَّلها إلى نظام اجتماعي هو اهتمام المسئولين بالأقوياء وإهمالهم الضعفاء.

ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبة من خبر فضيل بن زيد الرقاشي قال: سَرَتْ سريَّة على عهد عمر رضي الله عنه على أرجلهم , فأعيا رجل فأراد أن يقيموا عليه فرفض أمير السرية فنادى: ياعُمَراه , فمضوا وتركوه , فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه , فكتب إلى أبي موسى [ يعني الأشعري ] رضي الله عنه: أن ابعث إليَّ بالرجل , فبعث به إليه فأخذ قناةً فجعل يضربه بها ويقول: يالبَّيكاه , ويقول: يامُهلِك , يقول لك الرجل انتظرني فتذهب وتتركه فينادي: ياعمراه ؟ فجعل يعتذر إليه , فقال: والله لَصلاح رجل من المسلمين أحب إلي من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك , وكتب إلى أبي موسى رضي الله عنه: انظر مُهلِكًا فلا تستعمله ماكنتَ لنا على عمل (1) .

فهذا مثل من رحمة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بالمسلمين وشفقته عليهم, وهذا الخبر وأمثاله يدلنا على أن ما اشتهر عنه من الشدة والقوة ليس صفة ملازمة له في كل أحواله , بل كان شديدًا في محل الشدة وليِّنا في محل اللين.

وقول عمر"لَصلاح رجل من المسلمين أحب إليّ من هلاك كذا وكذا من أهل الشرك"مثال لعزة المسلم ومقدار قيمته في هذه الحياة.. فأين الذين لايبالون بأرواح المسلمين ولايطالبون بدمائهم من هذا المثل الأعلى‍‍؟‍!

(1) … تاريخ المدينة المنورة /812.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت