فما أعظم ذلك المجتمع الذي يتأثر فيه أعلى مسؤول فيه وأحد كبار رجال دولته من أجل أمرأة مسكينة !!
ومن ذلك ما أخرجه المؤرخ أبو زيد عمر بن شبَّة من خبر زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر رضي الله عنه استعمل مولًى له يُدعَى هُنَيًّا على الحِمىَ , وقال له: اضمم جناحك عن الناس, واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مجابة , وأدخل ربَّ الصُّرَيمة والغُنَيمة (1) , وإياي ونَعَمِ ابن عوف, وإياي ونعم ابن عفان,فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعا إلى نخل وزرع , وإن رب الغُنَيمة ورب الصريمة إن تهلك ماشيته جاءني بِبَنيه فقال: يا أمير المؤمنين , أفتاركهم تا لله لا أبالك (2) , فالماء والكلأ أهون علي من الذهب والوَرِق (3) , وايْم الله إنهم لَيَرون أني قد ظلمتهم , وإنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام , ووالذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ماحميت عليهم من بلادهم شبرا (4) .
فهذا مثل من رحمة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه بالفقراء الذين ليس لهم إلا مورد واحد في الرزق , فإذا قُطع هذا المورد هلكوا , وفي مقارنة عمر بين هؤلاء الضعفاء والأغنياء دلالة على اهتمامه بشأن الضعفاء وأنه يقدمهم على الأغنياء , وإن كان هؤلاء من كبار أهل الحل والعقد كعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما.
وهذه النظرة العادلة من أسباب استقامة المجتمع وسلامته من الاضطراب والخلل, لأن الفقراء ومتوسطي الحال هم القطاع الكبير في المجتمعات , فإذا كان الوالي يهتم بشأنهم فإنه يضمن شمول حياة الأمن والرخاء في المجتمع , أما الأغنياء فإنهم يستطيعون أن يُسَيِّروا أمورهم بأموالهم التي تتعدد - عادة - مصادرها.
(1) النَّعم هي المواشي والمقصود بها هنا الإبل والغنم.
(2) كلمة مدح معناها لاكافي لك إلا نفسك.
(3) يعني الفضة.
(4) تاريخ المدينة المنورة /839 - 840.