الصفحة 16 من 62

ومن مواقف الرحمة والتواضع ما رواه أبو عبيد بن سلام بإسناده قال: بينا عمر نِصْفَ النهار قائل في ظل شجرة , وإذا أعرابية فتوسمت الناس , فجاءته فقالت: إني امرأة مسكينة ولي بنون, وإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان بعث محمد بن مسلمة ساعيًا (1) فلم يعطنا , فلعلك - يرحمك الله - أن تشفع لنا إليه !

قال: فصاح بيرفأ (2) : أن ادْعُ لي محمد بن مسلمة , فقالت: إنه أنجح لحاجتي أن تقوم معي إليه, فقال: إنه سيفعل إن شاء الله , فجاءه يرفأ فقال: أجب , فجاء فقال: السلام عليكم يا أمير المؤمنين , فاستحيت المرأة , فقال عمر: والله ماآلو (3) أن أختار خياركم , كيف أنت قائل إذا سألك الله عز وجل عن هذه ؟! فدمعت عينا محمد , ثم قال عمر: إن الله قد بعث إلينا نبيه - صلى الله عليه وسلم - فصدقناه واتبعناه , فعمل بما أمره الله به , فجعل الصدقة لأهلها من المساكين حتى قبضه الله على ذلك, ثم استخلف الله أبا بكر فعمل بسنته حتى قبضه الله , ثم استخلفني فلم آلُ أن أختار خياركم, إنْ بعثتك فأدِّ إليها صدقة العام وعام أول , وما أدري لعلي لا أبعثك , ثم دعا لها بجمل فأعطاها دقيقا وزيتا , وقال: خذي هذا حتى تلحقينا بخيبر فإنا نريدها , فأتته بخيبر فدعا لها بجملين آخرين وقال: خذي هذا فإن فيه بلاغا حتى يأتيكم محمد بن مسلمة , فقد أمرته أن يعطيك حقك للعام وعام أول (4) .

فهذا مثل من رحمة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وعطفه على الضعفاء , حيث اهتم بأمر تلك المرأة المسكينة وعاتب من أجلها محمد بن مسلمة رضي الله عنه , مع أنه لم يتعمد تركها, ومَثَلٌ من خشية الله تعالى يقدمه محمد بن مسلمة حينما ذكَّره أمير المؤمنين بالله تعالى فبكى من خشيته.

(1) الساعي هو الذي يجبي الصدقة ويقسمها بين مستحقيها.

(2) …يعني غلام عمر. (2) أي ما أقصر.

(3) الأموال /599.

(4) الصريمة بالتصغير القطعة من الإبل , والغنيمة بالتصغير القطعة من الغنم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت