وهذا مثل عال للمزح التربوي , الذي يهدف إلى رفع الكلفة , وتوثيق الصلة , فإن الإنسان إذا منَّ الله عليه بالسمعة العالية , والمكانة الرفيعة , تكون له في النفوس هيبة قد تمنع من الاستفادة منه فيما إذا كان مسؤولًا إداريًّا , أو عالمًا مربيًا , وقد تمنعه من الاستفادة من الناس في فهم واقع المجتمع الذي تنبني عليه بعض الفتاوى والأحكام, فإذا جرى من المسؤول أو العالم المربي نوع من هذا المزح الهادف فإنه يفتح مغاليق النفوس ويزيل الحرج من الصدور.
وهذا المزح التربوي إنما يكون مبنيا على الرغبة الصادقة في إصلاح المجتمع وتقويمه مع التخلق بخلق التواضع.
ونجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل من نفسه مثلا عاليا في التواضع لرعيته الذين ولاه الله أمرهم حيث يقول له عمه العباس رضي الله عنه: إني رأيتهم قد آذوك وآذاك غبارهم, فلو اتخذت عريشًا تكلمهم منه , فقال: لا أزال بين أظهرهم يطؤون عقبي وينازعوني ردائي حتى يكون الله هو الذي يريحني منهم"أخرجه الإمام الدارمي (1) ."
وهي سنة يسنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للولاة والمربين من بعده حيث تواضع لأفراد أمته , فعاش معهم كواحد منهم ولم يرض أن يتميز عليهم بشيء.
وإن التواضع لله أولًا ثم للمخلوقين دليل على سمو الفكر وكمال العقل , ولذلك جاءت توجيهات النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتخلق بهذا الخلق الرفيع , وذلك لأن الشريعة الإسلامية جاءت من عند الله تعالى لترفع من مستوى العقل البشري ولتميز أصحاب الأفكار السوية وتوجههم نحو الإصلاح والقيادة التربوية.
(1) …سنن الدارمي رقم 75 , المقدمة باب 14.