فقال: أبا هر , قلت لبيك يارسول الله , قال: بقيتُ أنا وأنت: قلتُ صدقت يارسول الله , قال: اقعد فاشرب , فقعدتُ فشربت , فقال: اشرب , فشربت , فمازال يقول: اشرب , حتى قلتُ: لا والذي بعثك بالحق , ما أجدُ له مَسلكا. قال: فأرني , فأعطيته القدح , فحمد الله وسمَّى وشرب الفضلة" (1) ."
فهذا مثل بليغ على تواضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث شرب آخر القوم , وأهل الصفة كانوا كلهم من الفقراء , وإن التواضع يكون جليلا إذا صدر من الرجل الكبير لضعفاء الناس ومساكينهم, وهكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عظيم التواضع لجميع الناس على مختلف طبقاتهم.
ولقد امتد تواضعه - صلى الله عليه وسلم - ليشمل البادية كما شمل الحاضرة , ومن ذلك ما أخرجه الإمامان البزار والطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد عن رجل من أشجع يقال له زاهر بن حرام رجل بدوي, وكان لايزال يأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بطُرفة أو هدية , فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سوق المدينة يبيع سلعة , ولم يكن أتاه في ذلك الوقت , فاحتضنه من وراء كتفه , فالتفت فأبصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فقبَّل كفه , فقال: من يشتري العبد ؟ فقال: إذًا تجدني يارسول الله كاسدا , قال: لكنك عند الله ربيح , فقال- صلى الله عليه وسلم -: لكل حاضر بادية , وبادية آل محمد زاهر بن حرام" (2) ."
(1) …صحيح البخاري , رقم 6452 , الرقاق ( 11/281) .
(2) …جمع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد 2/565 - 566 , رقم 8948.