وتذكر عائشة رضي الله عنها وصفًا جامعًا لما يتصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من السماحة والتواضع والإيثار حيث تقول:"ماخُيِّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا أخذ أيسرهما مالم يكن إثما , فإن كان إثما كان أبعد الناس منه , وما انتقم - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة لله فينتقم لله بها"أخرجه الإمامان البخاري ومسلم (1) .
وهذا مثل رفيع من أمثلة التواضع والسماحة والتجرد من حظ النفس , فإن النفوس مجبولة على الغيرة لحرماتها , والعمل لجلب حظوظها , ولكن كلما قوي الإيمان بالله تعالى تضاءلت الأنانية وقوي خلق الإيثار , حتى إذا بلغ الإيمان كماله لم يَعُد في تفكير الإنسان نظر لحظ النفس وأصبح يعيش لإخوانه ومجتمعه الإسلامي , ولقد بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلى درجات الإيمان , فليس غريبا أن يكون أعلى نموذج في هذه الأرض لتمثيل مكارم الأخلاق.
ولم تقتصر رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإنسان بل تجاوزت ذلك إلى الحيوان , فمن ذلك ما أخرجه الإمام أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فانطلق لحاجته , فرأينا حُمَّرةً معها فرخان فأخذنا فرخيها , فجاءت الحمرة فجعلت تُعَرِّش (2) , فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: من فجع هذه بولدها ؟ ردوا ولدها إليها.
قال: ورأى قرية نمل قد حرقناها , فقال: من حرق هذه ؟ قلنا: نحن , قال: إنه لاينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار (3) .
(1) صحيح البخاري , رقم 3560 , المناقب (6/566) , صحيح مسلم رقم 2327 , الفضائل (ص1813) .
(2) …يعني ترتفع وتظلل بجناحيها على من تحتها.
(3) …سنن أبي داود رقم 5268 , كتاب الأدب (5/419 ) .