الثاني:- أي الصنف الثاني مما يستدل به أهل البدع على تسويغ بدعهم, أن يعمدوا إلى الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة, ويدخلوا فيها صفاتٍ جديدة لا دليل عليها من الأقوال أو الأفعال أو التقييد بزمانٍ أو مكان, وهذا يكثر فيهم جدًا, فإذا طلبت منهم دليلًا على شرعية ذلك بادروا لك بالأدلة الصحيحة التي تثبت الأصل, وهذا الباب تسده قاعدة أصولية عظيمة جدًا لها فائدتها الكبيرة المهمة, ونصها يقول:- (شرعية الأصل لا تستلزم شرعية الوصف) وقد شرحتها في كتابي تحرير القواعد ومجمع الفرائد وبيانها أن يقال:- إن الأصل في العبادات الإطلاق عن الصفة والزمان والمكان والمقدار فمن قيد عبادة بصفة معينة, فإن قيده هذا شيء زائد على مجرد الأصل فلابد أن يأتي على هذا القيد بدليلٍ صحيح صريح, ولاحق له أن يستدل على شرعية هذه الصفة بالدليل الذي يثبت أصل العبادة لأن دليل الأصل للأصل والوصف شيء زائد, ونحن نطلب دليلًا على هذا القدر الزائد لأن الأصل الإطلاق والأصل بقاء المطلق على إطلاقه ولا يقيد بشيء من المقيدات إلا بدليل, فأين الدليل المثبت لشرعية هذه الصفة, فلابد أن تفرق بين أصل الشيء وبين القدر الزائد عليه وشرعية الأصل لا يلزم منها شرعية هذا الوصف فقل له:- أنا أسلم لك أصل العبادة وأنا لا أطالبك بالدليل المثبت للأصل وإنما أطلب منك الدليل الدال على جواز إيقاع هذه العبادة على هذه الصفة المعينة, لأنك تربط هذه العبادة بشيء زائد فأين البرهان على هذا الربط؟ ومن قيد عبادة بزمانٍ أو مكان أو مقدارٍ معين يعتقد أنه مشروع فقل له:- إن الأصل إطلاق العبادة عن هذا الزمان والمكان والمقدار فتقييدها بزمانٍ معين أو مكانٍ معين أو مقدارٍ معين شيء زائد على الأصل فأين الدليل على شرعية هذا القدر الزائد على الأصل؟ وإذا استدل لك بالدليل المثبت لأصل العبادة فقل له:- إن الدليل الذي ذكرته إنما يثبت أصل العبادة وأنا لا أطلب منك الدليل المثبت لأصلها,