والسر في ذلك أن الآية التي تقدّم فيها ذكر التعليم على التزكية هي حكاية على لسان الخليل عليه السلام ، والمقام مقام دعاء والأليق بالدعاء أن يقدّم العلم كما علم الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم: (( وقل رب زدني علمًا ) )وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا لابن عباس فقال: (( اللهم فقهه في الدين ) )وفي لفظ: (( وعلمه التأويل ) ).
وأنه دعا لمعاوية فقال: (( اللهم علمه الكتاب ) )لأنَّ الدعاء بذكر السبب غالبًا ما يكون أصدق من الدعاء بالغاية .
فهناك من يقول: اللهم أدخلني الجنة ، وثم من يقول: ارزقني الشهادة في سبيلك فالأول قد لا يلتفت للعمل..والثاني لحظ معنى ثمن الجنة..وأنها محفوفة بالمكاره..فإبراهيم عليه السلام..قد قدم علم الكتاب على التزكية ، باعتبار أن الاستنارة بالوحي ، سبب لتزكية النفس ورفعتها فهو عليه الصلاة والسلام لحظ هذا المعنى وفيه قوله تعالى: (( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ) ).وحرف الخفض ( من ) للجنس وليست للتبعيض قطعًا..وكذلك قوله سبحانه (( ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) )والقرآن خير الذكر والنفس المطمئنة نفس زكيّة .
أما في الآيات الثلاث الأخر فهي من كلام الله ابتداءً ، وهي في مقام الامتنان، فناسب كرمه سبحانه أن يقدم الغاية التي أرادها إبراهيم .
وهي التزكية بمنزلة من سأل الله شيئًا فأعطاه الله خيرًا مما سأل .
وأيضًا فإنَّ تزكية النفس وتهذيبها بالإيمان ومكارم الأخلاق وأدب الطلب يجب أنْ يتقدم على العلم البحت .
ويدل عليه ما ورد عن ابن مسعود وابن عمر من تعلم الإيمان قبل القرآن
وكذلك ما نقل عن غير واحد من السلف كسفيان الثوري: (( تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله ) ).
فلو أنه تزكى في البدء لما قال ذلك لكنّ الله تكرّم عليه ولطف به فصرف توجهه إليه ، وزكى قلبه بحرصه على العلم .