أما الراسخ..فهو كالجبل لا تهزه عواصف الشبهات التي يوردها المبطلون..وإن لم يهتد لبيان مشكلها أو ما ظاهره التعارض..فتراه مسلّمًا بأنه الحق..كما لو كان يراه رأي العين أو أزيد من ذلك..وقد أسدى الإمام بن تيمية..لتلميذه ابن القيم نصيحة نفيسة احتفى بها فقال له: (( لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها ) ).
فتكسوه هذه الخصلة من كرامة الله له والعناية به باستعماله في مرضاته والذب عن دينه
في المواطن التي يعز فيها الرجال..مع ما يصحب ذلك من الثبات في المحن والصبر على اللأواء
وأما على الوقف على قوله: (( والراسخون في العلم ) )فيكون الراسخون مشمولين في علم تأويل المتشابهات .
ودخولهم في علم ذلك بواو العطف مع الله تعالى شرف لا يدانيه شرف
والله أعلم
راسخًا لجزم في المسألة .
(( وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ) )
فالاختلاف من بعد مجيء العلم دليل على البغي ..والتعصب..والظلم ، وليس هو من باب اختلاف التنوع، إذا كان في المسألة دليل شرعي واضح ليس معارَضًا بغيره .
ولهذا قال الشافعي: (( إذا صح الحديث فهو مذهبي ) )وقال أحمد: (( من ترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو على شفا هلكة ) )وقال أبو حنيفة: (( إذا أتاك الحديث من رسول الله فاضرب بقولي عرض الحائط ) )وقال مالك: (( كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر ) )
فمن وجد نفسه يختار قول إمام يبجله..مع كون حجة غيره أقوى..فليتهم علمَه وقلبه
(( قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا ) ).
لابد على طالب العلم مهما بلغ شأنه ..أن يظل مستحضرا أن ما أوتيه من العلم قليل..
فلا يغتر بما معه..فيعاقب بالحرمان والطغيان..وقسوة القلب وفساد النية
وقد قيل في مراتب طالب العلم في ذلك:-