أن يحول عواطفه وأفكاره وتجاربه إلى شئ جديد، أو إلى مركب جديد، إلى خلق جديد، وعقل الشاعر في منزلة العامل المساعد في العمليات الكيميائية، تتحول بواسطته تلك العواطف والأفكار والتجارب إلى المركب الجديد المختلف عن الأصل، بينما يظل هو كما هو وعلى الشاعر أن ينأى بشخصيته عن عقله، أن يفصلها عنه حتى يستطيع هذا العقل الخالق أن يتفهم الموقف الفنى من عاطفة وإحساس وتجربة، وأن يتمكن من تحويلها إلى خلق جديد يختلف عنها هو القصيدة. إن معيار التمكن الفنى هنا هو أن ينأى الشاعر بذاتيته عن مادته، وأن يترك هذه المادة لعمل عقله الخالق، فبهذا وحدة ينجو العمل الشعرى من الذاتية وتحقق له الموضوعية. (26: 134 - 135) ويبدو لنا أن إليوت يضع فروضا تأملية يفسر بها عملية الإبداع، ومن شأن التأمل ألا يحقق الموضوعية التى يقصد إليها إليوت. ما دام هذا التأمل بعيدا عن أن يسنده العلم، بل إن العلم المعاصر لا يؤيد تفتيت الإنسان إلى قوى وملكات منفصلة. ناهيك عن أن هذا النظر يعزل العمل الفنى عن الفنان، ويعزل الفنان عن مجموع علاقاته.
أما رتشاردز آرمسترونج Richards, Ivor Armstrong فقد تجنب التأمل، واقترب بالنظرية الأدبية من العلم خطوات ملموسة، فالمبحث الأساسى لديه يدور حول النص، وكيفية تلقيه، مستهدفا بيان عملية التوصيل والنقل وآثار قراءة القصيدة نفسيا وسلوكيا عند القارئ، ويذهب إلى أن التوصيل الجيد هو الذى يؤدى إلى التوازن الانفعالى لدى القارئ، والجديد عند آرمسترونج أنه يرفض التأمل، ويعتد بالتجريب وبنتائج العلوم، ليهيئ مناخا منضبطا للقراءة الشعرية، ورصد الظروف المؤدية إلى قراءة سليمة جيدة، والملابسات المؤدية إلى قراءة خاطئة ورديئة، ومن دراسة نجاح التوصيل أو عدم نجاحه على قصائد محددة وجمهور محدد يمكن الانتهاء إلى الآثار الوظيفية للشعر لدى القارئ، وأخرج سنة 1926م كتابه (العلم والشعر) ليطبق نظريته في وظيفة اللغة وتباين استخدامها بين العلم والشعر، وليحدد للشعر مكانه.
ويبدو لنا أن جهد أرمسترونج محاولة جادة لاستخدام العلم ولإزالة كثير من الغموض والإبهام عن ماهية الشعر ووظيفته، لأن قيمة الأعمال الفنية والأدبية تضيع إذا وقفت عند الانفعال والهوى الذاتى، إنما ينبغى التوجه التجريبى بقدر الإمكان، وبكل ما تتيحه الوسائل العلمية إلى عملية الخلق إلى الوصف العينى لكيفية عمل الشاعر، والتأكيد على ضرورة عقد الصلة بين القارئ والعمل الفنى، والكشف عن حقيقة هذه الصلة، وآثارها، بعيدا عن الأوهام المحيطة بالتجربة.
ثانيا: الفكر العلمى: (نظرية الانعكاس: الفن من زاوية الواقع) (16: 129 - 146)
الواقع شبكة معقدة من علاقات الإنسان بالعالم، متشابكة، متداخلة، متفاعلة، ونحن قادرون على معرفته، ولكن هذه المعرفة محدودة بما وصلنا إليه من تطور اجتماعى، وتقدم علمى وتكنيكى، وتغيره دائم، ولذلك فصورته لدينا متغيرة أيضا، وهو ليس محدودا بما أنجز، بل إنه لينطوى على تشوف إلى ما ينبغى إنجازه.
وللواقع حقيقته الموضوعية، ولهذه الحقيقة وقع في نفوسنا، وصدى في ذواتنا الإنسانية، ومفهوم في أذهاننا. وتنعكس صورة الواقع الموضوعى على الذات، ولكن لهذه الذات رؤاها، وأحلامها ومواقفها، فتتغير الصورة لديها، وتكتسب شكلا خاصا، فالفن انعكاس، ولكنه ليس أنعكاسا سلبيا، بل هو إسهام في التعرف على الواقع، وأداة للم شعثه، وسلاح لتغييره. فإذا غامت رؤية الفنان للحقيقة الموضوعية فقد عمله موضوعيته، وإذا غابت الذات فقد عمله فنيته.
إن واقعية الفن تتجاوز الماثل في هذا الواقع لإتمام ما يشوبه من نقص، وإلى ما يرهص به من جديد. فينتظم الشوق إلى الاكتمال، والحلم بما لم يقع، واستشراف مستقبل آت، ويتحرر مفهوم الفن من الانعكاس السلبى، ويكشف عن مغزى الماثل في الواقع، ويتجاوزه إلى أن يمنح الانسان صورة لغد يسعى إلى صنعه. إن هذا التصور ينفى