الصفحة 12 من 40

كولردج Coleridge, Samuel (1772 م-1834م) شاعرا، وإماما للفكر الفنى الرومانسى، ويرى شوقى ضيف أن كولر دج أقرب إلى الحدس، منه إلى التجربة، فقد اعتد بالكشف الحدسى، وبإيجابية الذات العارفة، وبالمعاناة العاطفية في عملية الإدراك، ومن هنا جاء تأثيره في علم النفس، وفى الفلسفة الوجودية لقد ألح على أن النفس إنما ترى ذاتها فيما تراه، وأن الفكر الصحيح- في رأيه- لا يخلو من العاطفة الصادقة ويميز كولردج بين الخيال والتوهم، فالخيال- في رأيه- ملكة عقلية وقوة عاطفية، لذلك فإنها أداة موحدة تلمح بين الأشياء جوامعها، وترى في الأجزاء والعناصر وحدتها، والتوهم ملكة عقلية تخلو من العاطفية، لذلك فإنها تكدس، وترص، لكنها لا تصل من هذا كله إلى الوحدة، فالتوهم يجمع الجزئيات والعناصر منفصلة متجاورة، والخيال يصل- بقوته العاطفية- إلى ما بين هذه الجزئيات من وحدة جوهرية. (26: 105 - 118)

كما يميز كولردج في الخيال بين خيال أولى Primary Imagination وخيال ثانوى Secondary Imagination الخيال الأولى ملكة إنسانية عامة، وهى الأداة الأساسية في معرفة الإنسان بعالمه، فهى ترى في المدركات أشكالها، وتوجد لهذه الأشكال معانيها، والخيال الثانوى ليس أداة معرفة فحسب- كالخيال الأولى الذى هو شرط كل معرفة إنسانية- والذى يتوفر في كل إنسان- وإنما هو أداة خلق أيضا. الخيال الثانوى هو الخيال الفنى، وهو أسمى طاقات الإنسان، فهو الذى يلم المبدد مدركا فيه وحدته، وهو الذى يلمح في هذا المبدد معناه الكلى مرتبطا بشكله العام، إنه يرى الحقيقة مصورة، وهذا الخيال الثانوى لا يتوفر إلا للملهمين وللمبدعين من ذوى البصائر والمواهب الخالقة، إنه أداة كبار الفنانين والشعراء.

3 -الموقف الوضعي (نظرية الخلق: الفن من زاوية العمل الفنى) (10 - 93 - 103)

لقد أخذت الطبقة البرجوازية تفقد ملامحها ودورها التقدمى وتتحول إلى مواقع المحافظة والرجعية، وعاشت هذه الطبقة أزمة خانقة ظهرت في أعمالها الفكرية والأدبية انتهت في الفكر إلى وضعية ضيقة وروافد لا أدرية وحدسية متطرفة، وبدأ عصر الاتجاهات المعبرة عن أزمة الإنسان، فإذا كان للرومانسية مفهومها عن التعبير الذى كان نتاجا لصعود تلك الطبقة وتقدمها، فإن مفهوم الخلق كان نتاجا للطبقة نفسها في زمن أفولها، وإبان أزمتها الفكرية.

والأساس الفكرى لهذا المفهوم يبدو في كتابات مجموعة من المفكرين، قد يكون أقربهم إلى الفكر الأدبى"توماس إرنست هيوم Hume, Thomas Ernest (1883 م-1917م) فقد عبر هؤلاء المفكرون عن خيبة أملهم في فردية الإنسان، وذهبوا إلى أن الإنسان شرير بفطرته، وأنه محدود القدرات، فاسد، أنانى بطبعه، وأنه سيطر سيطرة واسعة على جوانب كثيرة من عالمه، ولكنه فقد نفسه عندما فقد الوازع الداخلى الموجه إلى الخير، ونادى بعض هؤلاء المفكرين بضرورة العودة إلى الضوابط الكلاسيكية لمحاصرة الأنانية والذاتية والفردية والنوازع الشريرة في الإنسان، وجاهروا بالعداء للوجدانيات والعاطفيات الرومانسية، وقالوا بأعمال العقل والانضباط والتوازن. وهدم النقاد الفطريون منهم نظرية التعبير الرومانسية، ودعوا إلى فن موضوعى يتجاوز أوهام الرومانسيين، وإلى نقد علمى مؤسس على تقدم العلوم، وخلصوا إلى نتائج طيبة في درس دور اللغة في الأشكال الفنية كعلاقة الأسطورة والرمز والموروث الشعبى بالتجارب، ومنهم من اعتمد في نظره وتطبيقه على علوم طبية كعلم الأعصاب ويذهب ت. س إليوت (1888 - 1965م) Eliot, Thomas Stearns إلى أن الشعر ليس تعبيرا عن مشاعر، وإنما هو تخلص من المشاعر، وليس تعبيرا عن ذات الشاعر وشخصيته، وإنما هو تخلص منهما، إن الشعر خلق، وهذا الخلق إنما هو ثمرة التوازن بين العقل والعاطفة، بين ما يسميه إليوت القوة الناقدة، والقوة الخالقة عند الشاعر. إن الشاعر ينفعل بموضوعه، ويتعاطف معه، وعليه ألا يعبر عن انفعاله، بل عليه أن يوجد لهذا الانفعال معادلا موضوعيا يساويه ويوازيه ويحدده، ويعين الشاعر في ذلك عقله، وتعين الشاعر في تجسيد انفعاله فيما يعادله لغته، أى أن على الشاعر"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت