الصفحة 11 من 40

2 -الموقف الرومانسى (نظرية التعبير: الفن من زاوية الفنان) :

تبدو مظاهر الرومانسية في التراث البشرى صادرة عن أساس اجتماعى محدد هو نضج الطبقة البرجوازية. وتعتبر البرجوازية تجسيدا حيا لتناقضات المجتمع الرأسمالى فهى تسعى إلى استغلال أصحاب (قوة العمل) لكنها تنتهى بأن يستغلها أصحاب (أدوات الانتاج) وتصل منها قلة إلى صفوف الرأسماليين، بينما تنهار- الكثرة في ظل قوانين الاستغلال الرأسمالى، أنها ترنو ببصرها إلى الغنى والوفرة، وتجزع على نفسها من الفقر والفاقة، ولذا فإنها تنجذب إعجابا إلى أصحاب أدوات الإنتاج فتقع في الاستسلام لغاياتهم، وتخاف أصحاب قوة العمل.

لقد انتهى الفكر المثالى البرجوازى- في النصف الثانى من القرن الثامن عشر، والثلث الأول من القرن التاسع عشر- إلى بناء أضخم أنساقه أمران: (16: 65 - 86) ، (15: 192 - 194)

أولهما: من جهة انطولوجية وهى علاقة المادة بالوعى.

ثانيها: من جهة معرفية وهى علاقة الوعى بالعالم الموضوعى.

إن هذه المثالية الذاتية قد جعلت الوجود الأدبى للذات أو للوعى الإنسانى، وجعلت العالم الموضوعى من خلق هذه الذات، إذ أن وجوده متوقف على إدراك مدرك له، وكمال التعبير ها هنا هو قدرة الفن على تصوير أو خلق الذات لعالمها الخاص، فإذا كان الأمر في الأساس الاجتماعى الإعلاء من الفردية والذاتية وتقديم الفرد على المجتمع فإن الأمر هنا تقديم العاطفة على العقل، والشعور على المنطق، والوجدان على الاتزان، والموهبة على الصنعة، والإسهام على المهارة.

لقد اعترف"كانت Kant (1724 - 1804 م) "رأس المثاليين الذاتيين في المرحلة التى نحن بصددها بوجود الشئ في ذاته أى اعترف بوجود الأشياء خارج الإنسان. (26: 120) ، (10: 153 - 168) وقد أخذ غلاة المثاليين عليه هذه المقولة لأنهم- كما سبق- يقولون بخلق الذاتى للموضوعى أما هو فيقر بوجود الأشياء مستقلة عنا. فها هنا جانب مادى في فلسفته، غير أن هذا الجانب يتوارى في النهج المعرفى الكانتى وهو نهج مثالى ذاتى، فصل كانت فيه بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية وأبعد ما بين المحسوس والمعقول، وما بين العقل والفهم المنطقى أو التفكير المنطقى وقيد العقل بما تقدمه الحواس وفى هذا الصدد فإن كانت قد اعتقد أن هذا الفهم لا يمكن أن يصل إلى ما وراء التجارب الجزئية والمحسوسات، وأن المعرفة لا يمكن أن تصل إلا إلى الظواهر وكانت بهذا مادى في اعترافه بوجود العالم الخارجى الموضوعى مستقلا عن الوعى به، لكنه مثالى في إنكاره لإمكانية معرفة حقيقة هذا العالم.

لقد بدأ كانت من مبدأ أساسي مثالى ذاتى يرى الموضوعى المدرك هو ما تراه الذات المدركة، وما يتبدى لها منه متفقا وعالمها الشعورى وإدراكها العاطفى.

إن المثاليين بعد كانت- في مرحلة المحافظة البرجوازية، وأزمة الفكر الليبرالى- ارتدوا إلى مثالية متطرفة فنموا العناصر الذاتية في فلسفتها، وتخلو عن العناصر العقلية، ولم تدم العلاقة بين الذاتى والموضوعى، بل تحول الذاتى إلى خالق للموضوعى، وصار الموضوعى وهما من الأوهام، كما صار الإبداع نشاطا غامضا عصيا على المعرفة والدرس، ولم يقبل هيجل Hegel (1770 - 1830 م) رأس المثاليين في هذه المرحلة ذاتها الثنائية التى قال بها كانت بين الجواهر والظواهر. إن جدل هيجل قد ساعده على أن يضع إدراك الإنسان لعالمه، وعلاقاته به في صيغة أقرب إلى الموضوعية من تلك الصيغة الكانتية الذاتية. (15: 23)

حيث رأى أن فعالية الذات إنما تتحقق من خلال تطور الشئ ونموه، فالحقيقة هى الكل العينى الذى ينتظم الأشياء في علاقاتها، فهو ينفى الآلية في علاقة الإنسان بعالمه، ويدرك الفنان الحقيقة لا كموضوع، ولا كفكرة، وإنما يدركها في صورة، والعنصر الحسى يحرك طاقة الخيال لدى الفنان، ولذلك فإن أولى الزوايا بالدرس- في رأيه- إنما هى زاوية المدرك، زاوية الفنان، وأولى المسائل في هذا الدرس، أداة الإدراك: الخيال، كما برز من الرومانسيين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت