وهي ما قاله الشاطبي: إنك لا تجد مبتدعًا ممن ينسب إلى الملة إلا وهو يستشهد على بدعته بدليل شرعي ، فينزله على ما وافق عقله وشهوته ، وهو أمر ثابت في الحكمة الأزلية التي لا مرد لها ، قال تعالى: ( يضل به كثيرًا ويهدي به كثيرًا ) وقال: ( كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء ) لكن إنما ينساق لهم من الأدلة المتشابه منها لا الواضح ، والقليل منها لا الكثير ، وهو أدل دليل على اتباع الهوى ، فإن المعظم والجمهور من الأدلة إذا دل على أمر بظاهره ، فهو الحق ، فإن جاء على ما ظاهره الخلاف ، فهو النادر والقليل ، فكان من حق الظاهر رد القليل إلى الكثير ، والمتشابه إلى الواضح . غير أن الهوى زاغ بمن أراد الله زيغه ، فهو في تيه من حيث يظن أنه على الطريق ، بخلاف غير المبتدع ، فإنه إنما جعل الهداية إلى الحق أول مطالبه ، وأخر هواه - إن كان - فجعله بالتبع [1] ، فوجد جمهور الأدلة ومعظم الكتاب واضحًا في الطلب الذي بحث عنه ، فوجد الجادّة ، وما شذّ له عن ذلك ، فإما أن يرده إليه ، وإما أن يكله إلى عالمه ، ولا يتكلف البحث عن تأويله . وفيصل القضية بينهما قوله تعالى: ( فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ، وما يعلم تأويله إلا الله ، والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) ا.هـ [2] .
الثانية: وهي لمن قال بقول أهل السنة في هذا الباب ، وخاض ورد على المخالف ثبتنا الله جميعًا على الحق ، فأقول له:
(1) وهذا هو الظن بإخواننا هداهم الله إلى الصراط المستقيم .
(2) الاعتصام ( 1 / 177 ) .