وكذلك في هذه المسألة أخطأ بعضهم لما وصف قول الذين لا يكفرون بالحكم بغير ما أنزل الله إلا إذا استحل ؛ بأنه قول المرجئة الضالة حيث جعل القول بعدم كفر من حكم بغير ما أنزل الله مبنيًا على القول بعدم الكفر بترك جنس العمل .
وخطؤه راجع لأمرين:
الأول: أنه لا تلازم بين القول بعدم كفر من حكم بغير ما أنزل الله وبين القول بعدم كفر من ترك جنس العمل ، إذ إن الحكم بما أنزل الله من العمل وليس هو جنس العمل .
الثاني: أن - عدم التكفير بترك الحكم بما أنزل الله دون استحلال - قول أهل السنة [1]
(1) قال ابن عباس: -في تفسير قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } "هي به كفر ، وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر"أخرجه المروزي وإسناده صحيح . وقال طاووس: ليس بكفر ينقل عن الملة . أخرجه المروزي وإسناده صحيح . وقال عطاء بن أبي رباح: كفر دون كفر ، وظلم دون ظلم ، فسق دون فسق . أخرجه المروزي بإسناد صحيح .
ونص الإمام أحمد على أنه كفر لا ينقل من الملة ( مسائل ابن هاني( 2/ 192) ) وبهذا قال أبو عبيد القاسم بن سلام كما في كتاب الإيمان ص 45 . فدلت هذه الأقوال على أن مجرد الفعل ليس كفرًا أكبر، فمن ثم صار الحكم بغير ما أنزل الله كالقتل الذي وصف بأنه كفر في قول رسول الله صلى الله عليه وسلَّم:"وقتاله كفر"والمراد هنا كفر أصغر ، ولا يكون كفرًا أكبر إلا إذا احتف به اعتقاد كفري كالاستحلال مثلًا . وقال ابن تيمية: والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه ، أو حرم الحلال المجمع عليه ، أو بدل الشرع المجمع عليه ، كان كافرًا مرتدًا، باتفاق الفقهاء وفي مثل هذا نزل قوله على أحد القولين { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } أي هو المستحل للحكم بغير ما أنزل الله ا.هـ مجموع الفتاوى (3/ 267) ، وقال العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: وإنما يحرم التحكيم إذا كان المستند إلى شريعة باطلة تخالف الكتاب والسنة ، كأحكام اليونان والإفرنج والتتر وقوانينهم التي مصدرها آراؤهم وأهواؤهم ، وكذلك سوالف البادية وعاداتهم الجارية . فمن استحل الحكم بهذا في الدماء أو غيرها فهو كافر قال تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ، وهذه الآية ذكر فيها بعض المفسرين: أن الكفر المراد هنا كفر دون الكفر الأكبر ، = = لأنهم فهموا أنها تتناول من حكم بغير ما أنزل الله ، وهو غير مستحل لذلك ، لكنهم لا ينازعون في عمومها للمستحل ، وأن كفره مخرج عن الملة ا.هـ ( منهاج التأسيس والتقديس ص71) . وقالت اللجنة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية: لكن إن استحل ذلك واعتقده جائزًا فهو كفر أكبر ، وظلم أكبر ، وفسق أكبر يخرج من الملة ا.هـ فتوى رقم ( 5741) المفتون: الرئيس / سماحة الشيخ ابن باز ، ونائبه / عبد الرزاق عفيفي ، وعضو / عبد الله الغديان .
وقال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز - رحمه الله - اطلعت على الجواب المفيد القيم الذي تفضل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - وفقه الله - المنشور في جريدة الشرق الأوسط وصحيفة المسلمون الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير من حكم بغير ما أنزل الله من غير تفصيل ، فألفيتها كلمة قيمة قد أصاب فيه الحق ، وسلك سبيل المؤمنين ،وأوضح - وفقه الله - أنه لا يجوز لأحد من الناس أن يكفر من حكم بغير ما أنزل الله بمجرد الفعل من دون أن يعلم أنه استحل ذلك بقلبه ... ا.هـ جريدة الشرق الأوسط عدد ( 6156) تاريخ ( 12/ 5/ 1416هـ ) فهذه كلمات أهل العلم متواترة على أن الحكم بغير ما أنزل الله كفر أصغر ، وأنه لا يكفر بمجرد الفعل ، ولم يفرقوا بين كثير ولا قليل ولو كان ثمة فرق - عندهم - لأبانوا .