السادس: أن أهل السنة عندما يتكلمون في الإيمان فإنهم يردون في وقت واحد على فرقتين ضالتين ألا وهما: المرجئة والخوارج . فإذا جاء الكلام على بدعة الخوارج ، رأيتهم يقولون: إن ترك العمل لا يُخرج عن الملة ، وإنما يريدون بذلك أفراد العمل التي هي من جنس الذنوب ، ولذلك ينقلون الإجماع عليه ، ويريدون به الأفراد ، كالزنا والسرقة ، وترك شيء من الواجبات ، لأنهم لو أرادوا جنس العمل فكيف ينقلون إجماع السلف على أن تاركه لا يكفر ، ومنهم من يكفر بترك الصلاة أو الزكاة أو الصيام أو الحج . ومن ذلك قول ابن تيمية: ومما ينبغي أن يعرف أن أكثر النزاع بين أهل السنة في هذه المسألة هو نزاع لفظي ... فهم يقولون - أي مرجئة الفقهاء - إن الإيمان بدون العمل المفروض ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب كما تقوله الجماعة ا.هـ [1] 3) .
وقد رأيت بعضهم استدل بهذا النقل عنه ليثبت أن ابن تيمية لا يرى كفر تارك جنس العمل .
والجواب من وجوه:
1)أن ابن تيمية لا يمكن أن ينسب إليه هذا القول لما تقدم .
2)أن - ابن تيمية - نسب هذا القول إلى إجماع أهل السنة بقوله"كما تقوله الجماعة". ومعلوم أن الخلاف في التكفير بالمباني الأربعة أشهر وأظهر من أن يخفى على مثل ابن تيمية ، لاسيما في هذا الموضع ، كيف لا ؟ وهو ممن يكفر بترك الصلاة . فعُلم من ذلك أن نقله لإجماع أهل السنة والجماعة إنما هو على عدم التكفير بترك أفراد الواجبات أو فعل المحرمات التي هي من جنس المعاصي ، لا كما تقول الخوارج بتكفير من وقع في واحد منها ، وبمثل هذا الجواب يجاب أيضًا عن كلام ابن مندة المتقدم .
3)أنه قرن مع ترك الفرائض فعل المحرمات ، ويبعد أن يقال: إن ابن تيمية يريد بها جميع المحرمات صغيرها وكبيرها ، بل الظاهر أنه يريد بعضها ، فكذلك الحال في ترك الفرائض فهو لا يريد ترك جميعها بل يريد ترك بعض أفرادها .
(1) مجموع الفتاوى ( 7 / 297 ) .