الخامس - من الأجوبة على فهمهم الخاطئ لبعض عبارات السلف- أن يتصور المخالف: أنه لا تنافي بين أن يكون أصل الإيمان في القلب وفرعه عمل الجوارح ، وبين كونهما متلازمين ، فإذا وجد أحدهما وجد الآخر بحسب الأول ، فالإيمان المطلق لابد أن يقابله العمل المطلق ، ومطلق إيمان القلب لابد أن يقابله مطلق عمل الجوارح ، فهما بمثابة الروح مع حركة البدن ، فإن الروح هي الأصل ، والفرع هو حركة البدن ، فإذا وجدت الروح فلابد أن تكون حركة في البدن ، وإذا كانت هناك حركة في البدن دل ذلك على وجود الروح ، أما إذا زالت الروح لزم من ذلك زوال حركة البدن ولابد ، وإذا زالت حركة البدن مطلقًا لا قلبه ولا دماغه ولا دمائه ولا أطرافه دل ذلك قطعًا على زوال الروح .
وعليه فإن قول ابن مندة:"ولا يكون مستكملًا له حتى يأتي بفرعه ، وفرعه المفترض عليه إتيان الفرائض واجتناب المحارم"، لا ينافي أبدًا كون العمل الظاهر من أركان الإيمان ، وكذا قول ابن تيمية - المتقدم - وكذا قوله: وما كان في القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح ، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه ا.هـ [1] .
لأن من استحضر أن ابن تيمية لا يمكن أن يقول بعدم كفر تارك جنس العمل ، علم أن مراده بقوله"وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه"، إما نفي الوجود فيقابله عدم إيمان القلب وعبر عنه بقوله"دل على عدمه"وإما نفي للكمال الواجب فيقابله ضعف إيمان القلب والذي عبر عنه بقوله"أو دل على ضعفه".
(1) مجموع الفتاوى ( 7 / 644 ) .