الثالث: لو كان ابن تيمية يرى أن ترك جنس العمل ليس بكفر ، فكيف يقول ويقرر عقيدة التلازم بين الظاهر والباطن ؟! بل ويُلزِم مرجئة الفقهاء ويحتج عليهم بها فيقول: والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب ، وقول اللسان ، والأعمال ليست منه ، كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها ، ولم يكن قولهم مثل قول جهم ، فعرفوا أن الإنسان لا يكون مؤمنًا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه ، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم ، لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم ، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح فإنها لازمة لها . ا.هـ
ولو كانت أعمال الجوارح يمكن أن تنفك عن أعمال القلوب ، ولو عند ضعفها ، لكان هذا الإلزام غير لازم ، ولأجاب الخصم: لا ليست لازمة إذ يمكن أن توجد أعمال القلوب ، ولا توجد أعمال الجوارح ، وذلك عند ضعف أعمال القلوب .
الرابع: مما يزيد ذلك وضوحًا وبيانًا أنه - رحمه الله - لما استدل على تلازم الظاهر بالباطن ، بحديث النعمان بن بشير"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد"الحديث ، واستشهد بقول أبي هريرة:"القلب ملك والأعضاء جنوده"عقب ذلك بقوله: قول أبي هريرة تقريب ، وقول النبي صلى الله عليه وسلَّم أحسن بيانًا ، فإن الملك وإن كان صالحًا فالجند لهم اختيار قد يعصون به ملكهم وبالعكس ، فيكون فيهم صلاح مع فساده ، أو فساد مع صلاحه ، بخلاف القلب فإن الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم:"إذا صلحت صلح لها سائر الجسد ، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد"ا.هـ [1] .
فلو كان ابن تيمية يتصور وجود إيمان في القلب دون عمل للجوارح ، لما قال ذلك، ولكان المثال المنقول عن أبي هريرة مطابقًا ، لا تقريبًا كما قال ابن تيمية .
(1) مجموع الفتاوى ( 7 / 187 ) .