في صورة النبي ملبسًا على الخلق" [1] ، وقيده الكوراني بما قيد به كلام القاضي عياض، ولا يظهر لتقييد الكوراني وجه نظر؛ إذ من البدهي إن كان الشيطان لا يستطيع التصور بصورة النبي - صلى الله عليه وسلم - ألا يستطيع التصور بصورة من هو أعلى منه من حيث مكان تلقي الوحي لا من حيث الأفضلية [2] ، ولذا لا يتصور أن يأتي الشيطان بصورة ملَك؛ إذ لا تعرف حقيقة صورة الملَك، فضلًا عن رب العزة - جل جلاله - [3] ."
فإن اعْتُرِض بأنه: قد عرف النبي - صلى الله عليه وسلم - الهيئة الحقيقية لجبريل - عليه السلام -، فلا يمتنع مجيء الشيطان بها، فالجواب: يمتنع مجيئه من باب القياس الأولوي على النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سبق.
5 -ومما يُدْفَع به توهم الإلقاء الشيطاني في لفظ القرآن الكريم: فردانية الملَك الموكل بالوحي، وهو جبريل - عليه السلام -، فليس ثم ملك آخر يأتي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عبره. وقد تقدم هذا [4] .
ومن أعظم مقتضياته المنهجية: أَمْنُ أن يأتي الشيطان متقمصًا شخصية
الملَك، ويزعم أنه ملك ... فيصدق لعدم اطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على كامل العالَمَين الغيبين الآخرين، ولذا فالصحيح الذي لا لبس فيه أنه لم يقترن به ملكٌ آخر غير جبريل - عليه السلام - كما مضى [5] .
(1) (ابن العربي) أبو بكر محمد بن عبد الله: أحكام القرآن 3/ 1299، تحقيق: علي محمد البجاوي - دار الجيل- بيروت.
(2) فلا يرد على الكلام هنا بحث مسألة تفضيل الملائكة والبشر، وانظرها في: شرح العقيدة الطحاوية ص301، مرجع سابق.
(3) ويكثر في أحاديث القُصَّاص المتأخرين عن القرون الفاضلة ذكرٌ لرؤية الله - جل جلاله - ... وليس القَصَّاص مصدرًا من مصادر المعرفة في هذا الباب، وانظر كلام الكوراني بإسهاب في: روح المعاني 17/ 269، مرجع سابق.
(4) راجع: المبحث الرابع من الفصل الأول ص40.
(5) وتذكر بعض الأخبار أنه قد قُرِن به ملكٌ آخر غير جبريل - عليه السلام -، ففي الطبقات الكبرى 190/ 1، مرجع سابق، عن عامر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُنزِلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة، وكان معه إسرافيل ثلاث سنين، ثم عُزِل عنه إسرافيل، وقُرِن به جبريل عشر سنين بمكة، وعشر سنين مهاجره بالمدينة، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثلاث وستين سنة. قال محمد بن سعد -رحمه الله تعالى-:"فذكرت هذا الحديث لمحمد بن عمر - يعني الواقدي -، فقال: ليس يعرف أهل العلم ببلدنا أن إسرافيل قُرِن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وإن علماءهم، وأهل السيرة منهم يقولون: لم يقرن به غير جبريل - عليه السلام - من حين أنزل عليه الوحي إلى أن قبض - صلى الله عليه وسلم -".
ويكفي في الدلالة على بطلانها: قصة عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - حين سأل اليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صاحبه من الملائكة، فأخبره أنه جبريل - عليه السلام -، ولو كان ثم متسعٌ لذكر غيره لذكره لنفرة يهود من جبريل - عليه السلام -، ولا يعني هذا أن لا زائر له من الملائكة سوى جبريل - عليه السلام -، بل تأتيه الملائكة لكن وسيطه في التعرف عليهم جبريل - عليه السلام - كما تقدم في الفصل الأول من هذه الدراسة ص43، ونفى الآلوسي -رحمه الله تعالى- في روح المعاني19/ 263، مرجع سابق صدق اقتران إسرافيل - عليه السلام - في روح المعاني، فقال:"وذلك لم يثبت أصلًا".