فما له من هاد" [1] . ولذا فبعد وصف القرآن الكريم للرسول المُلْقِي، والرسول المُلْقَى عليه القرآن بصفاتهما اللائقة التي تزيل وطأة الشبهة المستحكمة لكل ذي عقل - نفى طروءَ تدخلٍ خارجيٍ يُضَيِّعُ على الملَك - عليه السلام - تأدية أمانته، وعلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تبليغ وحي ربه، ولا يكون ذلك في الإنس لأنهم أضعف من أن يحصل منهم التدخل؛ إذ حوكموا إلى قوانينهم ومواضعاتهم فعجزوا، وذاك إذعانٌ للقرآن الكريم [2] ، فالتدخل الخارجي لا يكون إلا من الجن. ودفع هذا العامل يكون بما سبق، بالإضافة إلى الآتي:"
1 -التأكيد على صدق الرؤية والاتصال الحسي بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعلمه الملائكي جبريل - عليه السلام: وقد تمثل هذا التأكيد في عدة مظاهر تثبيتًا لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودرءًا لتكذيب المكذبين، ووسوسة المتخرصين، وهذه المظاهر تُجْمَلُ في الآتي:
أ-ببيان مكانة جبريل - عليه السلام - عند الله - سبحانه وتعالى -، واستعداده الفطري والفعلي لأداء رسالة الوحي، وقد مضى تفصيل ذلك [3] .
ب - النفي المؤكد المتكرر لأن يكون الوحي القرآني كلام شيطانٍ، ذلك بأن تدخل العالم الغيبي المقابل للملائكة -وهو الشياطين- آتٍ من كونهم عالمًا غيبيًا، ولأنهم كذلك فطريق علمهم مصدر العلم الغيبي لا ريب-وهو النقل-حيث قال - سبحانه وتعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ} "التكوير/25"، وقال في الشعراء: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ} "الشعراء/210 - 211".
وكما في قوله - عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ... } "الحج/52 - 54"، ولتؤخذ هذه الآيات في سورة الحج نموذجًا لبيان عناصر هذا النفي، المزيل للشبهة المثبت لفؤاد المبلغ، ومن ثَمَّ
(1) مقدمة ابن خلدون ص92، مرجع سابق.
(2) ولما نسبوا شبهتهم إلى وضع البشر، أتوا بما أضحك عليهم الصبيان {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} "النحل/103".
(3) انظر: الفصل الأول ص14، فهو معقودٌ لذلك.