فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 360

على المخالط في أحوال كثيرة، ولو في الشر [1] ، ولما سبق عدل عن اسم العلم إلى وصفه - صلى الله عليه وسلم - بـ {صَاحِبُكُمْ} ، وقد تقرر هذا أيضًا في مقام إثبات طبيعة القرآن المجيد، وأنه منزلٌ من عند الله - عز وجل - في سورة النجم، حيث قال تعالى عنه {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} "النجم /2".

ثم نفى أن تكون وسوسةً ذاتيةً لأن الخلل إما من الرسول الذي حمله، أو الذي تلقاه، أو من أمرٍ خارجيٍ قذفه غيرهما بينهما، وهو الشيطان لا غير، أومن تخيلاتٍ ذاتيةٍ طرأت على التلقي من البشر، فنفى كل ذلك، وفي قوله {وَمَا صَاحِبُكُمْ ... } والمعنى: ليس القرآن من وساوس المجانين، فسلامة مُبَلِّغه من الجنون تقتضي سلامة قوله عن أن يكون وسوسةً [2] .

ودُفِعت هذه التهمة ببيان طيبعة الوحي؛ كما قال - سبحانه وتعالى - عنهم {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ} "الدخان /14"، فأجاب - عز وجل - {فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ} "الطور/34"، فالمجانين يمكن تقليد كلامهم حتى على الصبيان.

ثالثًا: دفع تهمة التخيل بتأثير الجن:

وأصل هذه الشبهة في عقول أصحابها: عائدٌ إلى أمرين:

1 -أن الجن عالم غيبي كالملائكة، فيحتمل عندهم أن يكون ملك الوحي من الجن لا من الملائكة لاستواء الاحتمالين؛ إذ هما غيب بالنسبة للبشر، ولذا أورد ابن الأثير -رحمه الله تعالى- رواية لحديث بدء الوحي، قالت فيها خديجة -رضي الله عنها-: (أخاف أنْ يكون عُرِض له: أي عَرَض له الجِنّ، أو أصابَه منهم مَسٌّ) [3] .

2 -تشبيه حالة الوحي الشديدة بحالة الكهان، قال ابن خلدون -رحمه الله تعالى-:"ولأجل هذه الغاية في تَنَزِّل الوحي كان المشركون يرمون الأنبياء بالجنون، ويقولون له رئيٌ أو تابعٌ من الجن، وإنما لبس عليهم بما شاهدوه من ظاهر تلك الأحوال، ومن يضلل"

(1) انظر: روح المعاني 30/ 105، ونحوه عند أبي السعود 5/ 489، والشوكاني5/ 481، والتحرير والتنوير 30/ 157، مراجع سابقة.

(2) انظر: التحرير والتنوير 30/ 157، مرجع سابق.

(3) النهاية في غريب الحديث 3/ 211، ولم يعثر الباحث على مخرج الحديث بهذا اللفظ بعد لأيٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت